كتابات و صفحات نادرة من العبقرية السودانية !!! سيد أحمد المأمون

فوضى المرافق ، ومافيا الخدمة المدنية !!! النور يوسف

"المختار" !!! حسين عبد الجليل

[CODE]
آخرالمواضيع

[/CODE]>
العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-02-2018, 12:31 PM   #1
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي أيــام النميري - كلام ساكت 1-40 - لواء ’’م‘‘ محي الدين محمد علي

السبت 3 ذو القعدة 1429هـ الموافق 1 نوفمبر 2008م

أيــام النميري - كلام ساكت 1 - 40
لواء ’’م‘‘ محي الدين محمد علي
تخرجت من كلية الشرطة عام 1967م وبشوتة طويلة من دائرة السنتر فى رئاسة الشرطة بالخرطوم ، كنت فى مدينة جوبا حاضرة الاستوائية ، وفى العام 1968م كلفت بقيادة طوف من العربات واللوارى التجارية يربو على المئة عربة من جوبا مروراً بتوريت وإنتهاءاً بكبويتا ثم العودة منها بنفس السكة . إذ لا توجد سكة اخرى غير المرور على كبرى (الدليب) الذى (يقيف) فيه شعر الرأس والجلد كالشوك وتبلغ القلوب الحناجر وتزوغ الابصار .
قدت الطوف بسلام ذهاباً وإياباً ، ولم يتعرض لنا المتمردون البته ، ولما عسكر الطوف فى مدينة توريت ، وإضطررنا للمبيت فيها ، إلتقانى عدد من ضباط الجيش والشرطة الذين يعملون هناك وأخذونى الى منزل القائد .
الليلة العشاء فى بيت القائد ، وذهبنا جميعاً ووجدنا القائد فى إنتظارنا ، فرحب بالجميع ، وخصنى بمجاملة خاصة أجلسنى قريباً منه ، وهمس احد الضباط فى اذنى قائلاً : دهـ العقيد جعفر محمد نميرى ، وإستمرت ساعات حفل العشاء المبسط عامرة بالضحكات والقهقهات وحكاوى ونوادر القادة القدامى وغرابتها .. حتى إنقضى الليل .. وأخلد البعض للنوم وهو على كرسيه .
ثم تركنا العقيد النميرى ، وخرج ليطوف بعربته متفقداً آمن المدينة ، ثم رأيته مرة أخرى وهو فى زيه العسكرى مع ساعات الفجر الاولى يراقب (الطوف) وهو يغادر توريت .
لقد رأيت من الضباط ما رأيت ، ولا ادرى لماذا رسخت صورة العقيد النميرى فى خيالى وارتسمت فى خاطرى ، وهو يرحب بنا فى دارهـ ويكرمنا ، بتواضع نادر ، وهو يمشى فى زيه العسكرى واثق الخطوة فارساً يشهى من يراهـ العسكرية .
وفى صبيحة 25 مايو 1969م داهمنى صديقى ودفعتى الخبير الامنى محمد الفاتح عبدالملك ، وأيقظنى من نوم عميق ، بعد سهر وتجوال فى ليل مدينة جوبا الصاخبة (بالترم ترم) فى كل ناحية من أنحائها ..
وصرخ فى وجهى قائلاً : النايم ليها شنو والبلد فيها إنقلاب عسكرى !! قلبها عقيد إسمو النميرى ..
فضحكت وقلت له : دهـ الزول بتاع توريت الذى حدثتك عنه !!
وإستنفرت القوات النظامية التى كانت فى الاصل مستنفرة ، وضجت المدينة بالحركة والحكايا ، والاقاصيص التى تتحدث عن النميرى وبطولاته و(رجالته) وشجاعته ومواقفه فى معركة (إكتوس) التى إنتصر فيها على المتمردين إنتصاراً عظيماً ، وبدأ واضحاً إنحياز القوات المسلحة والشرطة لحركة التغيير بل وخرجت المظاهرات الشعبية تهتف بالثورة وتؤيدها وتناصرها وبعدها بعدة أشهر تم نقلى الى الولاية الشمالية فى مدينة دنقلا ، ومن هناك تبينت إن جماهير الشعب السودانى برمتها قد أيدت الثورة وباركتها ، بصورة فريدة لم يحظ بها أي عهد سابق . واعترف واقر بعظمة لسانى ، بأنى قد أيدتها واصبحت ادافع عنها بشراسة واحسب أن خلاص الشعب السودانى من ربق التخلف وثالوث المرض والجهل والفقر سيتم على أيدى الزعيم القائد النميرى .
وعندما وقع إنقلاب هاشم العطا فى 19 يوليو 1971م ، وهو إنقلاب شيوعى لاريب فيه ، جلست حزيناً فى مكتبى ، أتسقط اخبار بعض المظاهرات المتفرقة المناوئة وبعضها المؤيد ..
واجمع برقيات التأييد التى ارسلت مناصرة لهاشم العطا ، وأذكر حتى اليوم إن عددها كان ستين برقية أو تلغرافاً ، وفى هذا الاثناء دخل مكتبى شاب فى مثل سنى وقتها ، اعرفه جيداً وكان رئيس احدى النقابات ، وعندما اقترب منى وقفت لاصافحه ولكنه امسك يدهـ ، وقال انا ما بصافح حثالة الخونة الرجعية . ثم إستل منشوراً مطبوعاً يسب النميرى ويؤيد هاشم العطا ، ووضعه امامى بصفاقة . وقال لي : إقرأ .. ثقف نفسك يا جاهل ..
ولا ادرى بعد ذلك ما حدث ، غير أنى صفعت الرجل وحملته ، وهو يرفس ويسب ويشتم حتى ادخلته الحراسة واغلقتها وعدت الى مكتبى ، وانا ارتجف من الغضب .
والذى زاد من غضبى وحقنى هو أن بعض الاهل من دنقلا ، وبعض صف الضباط الذين يعملون معى ، كانوا يتعاقبون عليّ ويطالبون بإطلاق سراح النقابى المعتقل .
ويا إبنى ما تدخلش نفسك فى مشاكل ، دهـ إنقلاب شيوعى ، ودول ما بيرحموش ، وكان المعتقل بأمرى فى حراسته يهتف بسقوطى وسقوط النميرى ، وبحياة هاشم العطا ، التى كان قد وضع حداً لها بيدهـ .
وعندما كثر المتحدثون معي بشأن النقابى الصفيق صرخت فيهم وقلت : عليّ بالطلاق بالثلاثة ما يطلع من الحراسة ، إلا إذا دخلتها أنا ، وكان طلاقاً خطيراً ، وانا وقتها عريس جديد لنج !!
وإنصرف الناس على وبقيت وحدى فى محنتى ، إستمع الى الراديو ، والمارشات العسكرية تتوالى ، ومحمد وردى ينشد من بعد مايو الخلاص ، حتتقدم حتتقدم مثل الريح حتتقدم . وفى احلك لحظة من لحظات اليأس والقنوط التقط سمعى الصوت الاجش الما بغبانى .. أقبضوهم .. أضربوهم .. وشكراً لشعبى .. شكراً شعبى !!
إنزاح الهم الذى خيم على قلبى ساعات طوال ، فأخذت الراديو وهو يردد خطاب الرئيس العائد وادخلته فى الحراسة مع النقابى الصفيق .. الذى لم يصدق نفسه وأخذ (يجعر) ويبكى ويلطم الخدود ويشق الجيوب .. وخرجت من الحراسة ، لأجد مدينة دنقلا وهي تموج بالالاف من الرجال والنساء ، يهتفون للنميرى وينادون بسقوط (الشيوعيين) ومن العجب ، فإن اضخم مظاهرة كان يقودها رجل الدين الاعمى الشيخ حسن احمد حامد ، وقد رأيته بعينى رأسى ، وهو يتقدم المتظاهرين بأمتار عديدة ويندفع وكأنه مبصر يتحاشى الاشجار والاعمدة ، والحفر ..
ويا سبحان الله !!

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 12:41 PM   #2
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - الاحد 11 ذو القعدة 1429هـ الموافق 9 نوفمبر 2008م

كلام ساكت - أيــــــام النمـــــيري (2)
لواء «م» محيى الدين محمد علي
إن سنوات العهد المايوي لازالت .. تعيش في خواطر أهل السودان الذين عاصروها .. ما بين سادن من سدنتها .. وما بين معجب بها وما بين ناقم منها وشامت عليها .. والدليل على ذلك ... أن الكثيرين من المعارف والأصدقاء والقراء الذين اطلعوا على المقال الأول من هذا المسلسل المايوي .. (شاغلوني).. بعضهم يتوجس خيفة من انطلاقة قلمي .. وخدشها .. لصورة بديعة في خواطرهم عن مايو .. التي عاشوها .. براعم .. وطلائع وكتائب .. وأعضاءً في الاتحاد الاشتراكي ويتمنون.. الرحيل إلى دار الخلود وفي أنفسهم شيء من مايو!!.. والبعض الآخر قال لي .. عاوز تشكر مايو .. وأنت صاحب ديوان الشعر.. (رسالة من شرطي إلى الصنم)؟!.. وآخرون ذكروني بمقالات كتبتها قبل عدة سنوات ، أحث فيها من تبقى على ولائه المايوي .. لينضم إلى يونيو الإنقاذ باعتبار أن هناك قاسم .. بل قواسم مشتركة تجمع بين .. (مايونيو)!!.. كل (المشاغلات) كانت حبيبة إلى نفسي .. لأنها على الأقل ... طمأنتي بأن الناس تقرأني .. وقد غبت عن ساحة الإعلام حولاً وبعض حول ... وأقول لهم (شيلوا الصبر) لأن المقالات القادمة ستكون عند حسن ظنهم بإذن الله!! أما الأعزاء الذين وضعوا أيديهم على رؤوسهم خوفاً وفرقاً .. ظناً منهم بأني - لا سامح الله - أنوى تقمص روح مكي شبيكة ... وقلم زلفو .. والتجرؤ على كتابة مادة تؤرخ للحقبة المايوية من تاريخ السودان الحديث .. وكشف أسرارها وخباياها ... ورصد نجاحاتها وإنجازاتها.. و(نكش) سلبياتها وسقطاتها .. وفضح بلاويها الأخرى .. التي يعجز القلم عن قولها أو التعبير عنها ... فإني أطمئن القراء الكرام .. بأني ، لم أفكر في ذلك .. ولن أفكر فيه .. مع أن الأمر الآن متاح للجميع ويستطيع من يشاء .. أن يقول ما كان يود قوله زمان .. وأبوعاج أخوي يتقافر في الساحات .. ويزحم براياته الآفاق!!
نعم .. أنا لم أفكر لحظة في كتابة تاريخ مايو أو النميري .. لأني ببساطة لست مؤرخاً.. ولأن المؤرخين على قفا من يشيل.. ثم أني أيدت مايو وناصرتها عهداً.. ثم داهنتها وقتاً. ثم (كجَّنتها) زماناً.. وناصبتها العداء سنينا .. حتى سقطت وأصبحتْ في ذمة التاريخ .. ولو أني . كلفت بكتابة تاريخها (لغطستُ) حجرها .. وما أنصفتها .. فماذا أود أن أقول إذن؟!..
وأهو.. دهـ السؤال!! فأنا أود أن أقول وأحكي للناس.. ما رأيت وشفت عديل كدهـ .. من مواقف وتصرفات.. وضحكات وغضبات وأحاديث و(طبظات) وأقاويل.. وحكايات وشمارات.. وطرائف .. ومقالب وحركات... وهلم جرات.. ترتسم صورها .. أبيض .. وأسود .. في خيالي كفيلم (هندي) مايوي طويل.. ممتع .. لا يمل يتقاسم الأدوار فيه.. بعض رموز النظام المايوي.. وبعض أعدائه.. وبعض من لا هم في العير ولا في النفير.. مع دور البطولة المطلق.. الذي لعبه النميري بتميز وإتقان.. ولعلها يا صديقي الشاعر الأديب اللطيف.. كمال الجزولي.. هي في حكايتنا مايو.. والتي أصبحت مايو في حكاياتنا..!!
إن الذين كتبوا تاريخ مايو.. لم يوثقوا لهذه المواقف المايوية .. والذين سيكتبون من بعد ذلك.. لن يوثقوها.. لأنهم لن يجدوها (طازة) وقد تصلهم كبينة سماعية.. لا يمكن تصديقها أو الاقتناع بها ويسهل رفضها ودحضها واعتبارها من سقط القول.. والافتراء .. وبما أني .. كنت ضابطاً شرطياً صغيراً في جوبا.. عندما أذاع النميري البيان الأول في 25 / مايو 1969م .. وأعلن ثورة اشتراكية.. وعربية.. وشكل مجلس قيادتها برئاسته .. مزيناً من المدنيين بالسيد بابكر عوض الله رئيس القضاء الأسبق .. أمد الله في عمرهـ ومن الضباط .. المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدنا الله والرائد هاشم العطا والرائد أبو القاسم هاشم والرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر .. عليهم الرحمة جميعاً.. ومتّع الأحياء منهم.. الرائد خالد حسن عباس والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والرائد مأمون عوض أبوزيد بالصحة والعافية .. وأناشدهم بحق هذا الوطن أن يكتبوا لنا سِفراً يحوي أسرار هذه الثورة .. التي تركت بصماتها على وجه هذا البلد الجميل!!
لقد عاصرت مايو كما ذكرت من قولة (تيت) وسمعت ببيانها الأول وما تبعه من قرارات في مدينة جوبا .. وعشت حديث المدينة عندما.. وصل إلى هناك.. بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة ... ودخلوا القيادة الاستوائية وسط انبهار وترقب ضباطها وجنودها .. وتلقاهم قائد القيادة .. حافي الرأس .. وبدون كاب حتى لا يؤدي التحية العسكرية .. لضباط كانوا بالأمس .. يوقرونه .. ويؤدون له التحية طاعةً وانضباطاً.. وأن هذا القائد غادر معهم إلى الخرطوم... ليتقاعد.. بالمعاش بطوعه أو رغماً عنه.. لست أدري !! وظللت معاصراً للنظام وأنا اتنقل في شمال البلاد .. وغربها .. وقلبها واختزن في ذاكرتي.. كل ما يسر لي الله من المواقف .. ذات المعاني .. والتي لا يهتم بها عادة المؤرخون.. استمرت هذه المعاصرة كما قلت .. من قولة (تيت) وحتى قولة (طيط) وسقوط النظام تحت جحافل ثورة الجماهير في أبريل 1985م !! والذي حدث بعد عام واحد تقريباً من قيام النميري بنفسه.. تقليدي وآخرين من دفعتي .. نوط الخدمة الطويلة الممتازة .. والذي يمنح عادة بعد عشرين عاماً من العمل الممتاز .. كان نصيب مايو منها ستة عشر عاماً حسوماً .. وهي المعاصرة التي أعنيها والتي تخولني حق الكتابة.. عن مشاهدات رأيتها بعيني رأسي ... لم يرها أحد غيري .. أو رآها ولم يتوقف عندها .. أو يهتم بها .. وكما يقولون ... حبُّ الناس مذاهب !!.
أعلم أن القاريء الكريم .. قد تململ من طول هذا الحديث وبات يتشوق لسماع المشاهدات والمواقف التي أزعمها.. ولكن ما باليد حيلة .. فهذه الحلقة .. لا تحتمل المزيد .. لضيق ذات الورق .. ونعد بالانطلاق في فضائيات المشاهدات في الحلقات القادمة... ولكننا لا نرى بأساً من سرد .. فاتحة شهية .. حدثت قبل انقلاب مايو .. بأيام قلائل عندما احتجزت شرطة مرور الخرطوم .. العقيد جعفر النميري وآخرين من أعضاء مجلسه فيما بعد .. واتهمتهم بمخالفة قانون المرور.. واتخذت معهم كامل الإجراءات.. من كشف طبي واستجواب .. ثم سلمتهم لوحداتهم .. وأختم حديثي هذا بإرسال التحايا لحكمدار المرور وقتها أحمد هارون عبد المجيد .. والمزارع الآن في الدالي والمزموم .. وصاحب (كمبو الحلبي) الشهير .. وأساله عن مصير البلاغ ... وماذا كان سيفعل لو كان يعلم بما سيفعل النميري ؟!

ونواصل ..

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 12:52 PM   #3
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - الاحد 18 ذوالقعدة 1429هـ - 16 نوفمبر 2008م

كلام ساكت - أيــــــام النمـــــيري (3)
لواء «م» / محيى الدين محمد علي
صدر كشف التنقلات من رئاسة الشرطة .. بعد انقلاب مايو .. ونقلت من الإستوائية للولاية الشمالية الكبرى .. وكان مدير شرطتها في ذلك الوقت .. العميد الرشيد أحمد جلي عليه رحمه الله .. والذي أبرق قومندان الإستوائية مفيداً بنقلي إلى بربر .. حتى أتحرك إليها مباشرة عوضاً عن التباطؤ والتسكع في رئاسة شرطة الولاية .. فحزنت لذلك جداً .. لأني كنت أرغب في الانتقال إلى مدينة دنقلا .. نسبة لمرض والدتي .. ففكرت في حيلة .. تعالج هذا الأمر .. ولم أتردد في إرسال برقية باسم مدير شرطة الإستوائية .. لعناية مدير شرطة الشمالية وقلت فيها .. برقيتكم بتاريخ كذا غير واضحة .. هل نقل الضابط محيي الدين إلى بربر أم دنقلا ؟! وكانت المفاجاة .. أن جاءنا الرد .. نقل إلى دنقلا ويتحرك إليها رأساً ، وقد علمت مستقبلاً من صديقي ودفعتي اللواء المحامي صديق الهادي والذي كان هناك وقتها .. أن المرحوم العميد الرشيد أحمد جلي.. المتميز بذكائه .. عندما اطلع على برقية الإستوائية .. ضحك وقال .. الزول دهـ عاوز دنقلا .. عدلوا الكشف .. وأخطروهـ بالموقع الجديد..!!
وهكذا نفذت النقل إلى مركز شرطة دنقلا .. وتوليت أعبائي فيها .. وكانت حدود المركز .. تمتد على طول النيل العظيم من عبري إلى دلقو.. ديار المحس والسكوت ومروراً .. بكرمة وأرقو .. والحفير ودنقلا .. والقولد .. وأهلها الدناقلة .. وحتى مشارف أهلنا المناصير .. والشايقية .. واستمتعت شهوراً بتولي رئاسة شرطة مركز دنقلا بالإنابة حتى وصلنا منقولاً .. العم (الملاحظ) أو النقيب .. محمد عبد الله محمد صالح وهو من ضباط الصف الأذكياء الأكفاء وقد تعلمت منه الكثير .. وقد كان المركز على امتداد طوله المترامي (كالعجورة) .. هادئاً .. (زيت في قدر) .. نسيجه الاجتماعي متماسك ومترابط .. لا جرائم ولا سرقات .. ولا نهب .. ولا صراعات قبلية .. أو أثنية .. والخير باسط والمسكين الفقير فيه يبدو في مظهرهـ متألقاً ومتفوقاً على بعض أثرياء الخرطوم هذهـ الأيام .. لا يمد يدهـ لأحد ولكن الخيرين هم الذين يمدون أيديهم إليه !!
وسمعنا ونحن في شمالنا السعيد أنباءً .. عن أحداث الجزيرة أبا .. وودنوباوي .. وتأثرنا لها .. مع أنها كانت حوالينا ولا علينا .. ولكن جهاز الأمن وقتها .. أراد أن يقض مضاجعنا ويؤرقنا .. فأرسل إلينا قائمة بوكلاء الإمام الهادي رحمة الله الذين يقيم معظهم .. في مناطق القولد .. والخندق .. ولبب وما جاورها .. وأمرنا باعتقالهم فوراً ورفع التمام بالتنفيذ .. وأصدر السيد الملاحظ أمرهـ لي بالتنفيذ وسلمني كشفاً بأسماء ثلاثة عشر وكيل إمام .. (فنقنقت سراً) وتحركت ومعي مجموعة من رجال الشرطة .. على متن عربة لاندروفر بكب .. ركبها الزعيم الأزهري عند استقباله في دنقلا .. بعد إعلان الاستقلال عام 1956م .. وأمر بعد الزيارة أن تسلم العربة للشرطة .. وبعد أن خرجنا من المدينة .. وعند قرية لاتبعد كثيراً جنوب دنقلا انقطع (سير) العربة .. فجلسنا تحت شجرة عتيقة ظليلة وبدأنا في (فتل) (سير) من حبال الأشميق أو العشميق لا أدري .. ولكني أدري بانه مستخرج من بين (أبج) النخيل .. وفي هذه الأثناء مر بنا رجل صبوح وحيّانا .. وعلم بمشكلتنا .. وقال سيبوا الكلام دهـ .. أنا عندي عربية لاندروفر زي حقتكم .. ستأتي بعد قليل .. يمكنكم أخذها .. أو أخذ (سيرها) .. ثم دعانا إلى بيته فذهبنا .. وجلسنا خارج الدار فجاءنا أحد أقربائه (بجردل) ليمون بارد من (زير السبيل) فشربنا منه .. حتى ارتوى ظمؤنا .. والدنيا حر .. ثم جاء الرجل .. وقال .. ياجماعة أنا ضبحت خروف .. ولكم الخيار في الإفطار .. أو أخذه برأسه وجلدهـ .. فقلت له .. عجل لنا بالفطور حتى .. نتمكن من أداء المهمة (الراجيانا) ... ودخلنا إلى الديوان .. في انتظار الفطور وهالنا .. أن جدران الديوان الأربعة مزينة بصور للإمام المهدي والإمام عبد الرحمن والإمام الصديق ... وصور شتى للإمام الهادي في طفولته .. وفي صباهـ .. وفي شبابه وإلى أن تولى الإمامة وارتدى العمامه ..!
فحملت هماً كبيراً .. وأثناء احتساء الشاي .. سألت من يصبه عن اسم صاحب الدار .. وكان وياللهول هو الاسم الأول في الكشف الذي أحمله وأنا .. كالحمار يحمل أسفارا .. وجاءت العربة المنتظرة .. وتمت الناقصة وكان مكتوباً عليها .. حزب الأمة رمز القوة ..!
استشرت زملائي رجال الشرطة .. الذين كانوا معي .. وقلت ليهم كيف الشورة ؟! فقالوا لي .. الشغل شغل .. أكلنا وغسلنا إيدينا وظبطنا الكيف بالشاي ويمكننا .. الآن .. أن نعتقله !! فقلت لهم والله .. لا أفعل .. فلنأخذ منه (السير) ونعتقل الآخرين .. ثم نفوض أمرهـ للملاحظ .. ليعتقله بنفسه .. وما بين غمضة عين وانتباهتها قد يغير الله من حال إلى حال !!.. وتمكنا في زمن وجيز من اعتقال كل الأسماء التي كلفنا بها .. دون جلبة أو ضوضاء .. غير نظرات الكرهـ والاحتقار التي كان يشيِّعنا بها أهل المعتقل .. وأبناؤهـ وبناته .. وأتوقف هنا.. عند اعتقال السيد .. وكيل الإمام .. (الفضل) وهو والد الصديق الفنان التشكيلي عبد الحميد الفضل .. والذي .. استهجن أمر اعتقاله .. وهتف بحياة الإمام ثم لف عمامته تاركاً (العَزَبة) تجر من ورائه على الأرض .. حتى ركب العربة .. مثيراً قدراً من السخرية والتهكم بنا .. وبمهمتنا (المهببة) .. وجئنا بكل المعتقلين .. إلى نقطة شرطة القولد وأدخلناهم الحراسة .. وجلست أسجل بيانات المعتقلين في دفتر القبض .. وقبل أن أفرغ .. جاءني أحد رجال الشرطة مفزوعاً وهو يقول .. الحق .. ياجنابو .. النميري على «الهط» .. فأسرعت وأخذت سماعة التلفون .. وعرَّفت نفسي فقال لي .. أنا جعفر نميري .. رئيس مجلس قيادة الثورة .. جاتكم برقية لاعتقال وكلاء الإمام ؟! قلت نعم.. وقد اعتقلناهم.. فقال لي .. لا.. وكلاء الإمام في دنقلا ما في خطورة منهم.. أمسكوا.. واحد ولا اثنين منهم للتحذير وفكوا الباقين !! قلت .. له ياسيدي الرئيس .. إن الأمر يتصل بالأمن .. وأنا أتلقى الأوامر.. من القومندان في عطبرة.. فقال.. كويس خبِّط للكبانية لتحويلي إلى القومندان في عطبرة .. وفي لمح البصر .. نفذ عامل الكبانية الأمر .. وقبل .. أن أغادر مكاني .. اتصل بي (الملاحظ) من دنقلا .. وقال لي .. أوامر جديدة .. امسك واحد فقط .. وأطلق الآخرين .. ولم أتردد البتة في كتابة اسم صاحب الليمون والخروف ضمن المعتقلين .. ثم إطلاق سراحه ضمن الآخرين ولم أُبقِ في الاعتقال ـ بكل أسف ـ إلاَّ والد الأستاذ عبد الحميد الفضل .. وعدنا إلى مدينة دنقلا سعداء .. وقابلنا الرجل الكريم .. لنرد له .. (السير) فقال .. أنا عندي (سير) تاني.. فسيروا وعين الله ترعاكم !!


__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 01:22 PM   #4
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - السبت 24 ذوالقعدة 1429هـ - 22 نوفمبر 2008م

أيـــــــــام نمـــــيري - كلام ساكت (4)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ظللت أعمل بمركز دنقلا ... قرابة العامين .. وحدثت خلال هذهـ الفترة أحداث جسام .. منها كما ذكرت في مقال سابق .. أحداث الجزيرة أبا ... والتي تأثر لها .. أهالي دنقلا الجنوبية ... وهي جزيرة لبب وما حولها ... مسقط رأس الإمام محمد أحمد المهدي .... وأهل الدائرة المقفولة للراحل أمين التوم ... كما تأثر كذلك أهل جزيرة بدين .... حزناً على استشهاد ابنهم محمد صالح عمر .. وتعاطف الجميع في ديار الشايقية وحتى أرقو .. حيث ينتشر (الكوارير) مع الشيخ الكاروري .. والذي كان مع الإمام الهادي .. وكان من أبرز الأحداث زيارة النميري مصحوباً بوفد كبير من الوزراء وقادة الخدمة إلى دنقلا ... وقد جاءوا إليها على متن الباخرة (كربكان) .. ثم تحركوا بالسيارات والأقدام تحيط بهم الجماهير حتى صيوان الاستقبال .. وحيا النميري جموع الشعب التي ظلت تهتف باسمه .. بعض الوقت .. وجلس في الموقع المحدد له ... وكان يبدو مستاءً ولا أدري لماذا .. ولعل ذرات التراب الناعم .. التي علت رأسه وملابسه وملامحه .. كانت هي السبب .. وقبل أن تبدأ مراسم الاحتفال .. نهض رجل طيب جداً .. وهو من أثرياء دنقلا ورموزها الخيرين .. وتحدث بصوت جهوري قوي .. وقال: «يا ريس إنت ولدنا وأنحنا عاوزين ننصحك» ... وقبل .. أن يتم كلامه .. ويقول نصيحته قاطعه النميري .. بحدة قاسية وقال له : «أنا الجيت أنصحكم .. موش عشان تنصحوني»!! فأسقط في يد الرجل وأحس بالحرج .. وتراجع ليتلاشى وسط الجموع .. ثم ينسحب بهدوء .. ويغادر إلى متجرهـ أو دارهـ .. وهو يردد : «الدين النصيحة .. لكين دول ما عايزين نصيحة .. بكرهـ يكوسوها ما يلقوها .. على كيفهم»!!
وبدأ برنامج اللقاء الجماهيري وخاطبه النميري .. ونصح أهل دنقلا .. بالتخلص من عار الشكاوي الذي إرتبط بهم .. وقبل أن يختم خطابه .. أفلتت امرأة من أيدي رجال الشرطة .. واندفعت لتعانق النميري وهي تردد : «أبو عيالي .. أنا عاوزهـ أبو عيالي»!!. لم يتضايق النميري كثيراً ولكنه قال : «يا بتاع البوليس .. ماله أبو عيالها»؟! فقلت : «إنه محكوم بالسجن لمدة عام» .. فقال النميري : «خلاص كفاهو .. فكوهو طوالي» .. فخرجت المرأة .. وهي تزغرد .. لتتعلق برقبة رئيس الشرطة .. ولعل هذا الحادث قد لفت نظر النميري .. فدخل السجن وحراسات الشرطة .. وظل يسأل كل محتجز عن ظروفه وأسباب احتجازهـ .. ويأمر باطلاق سراح البعض .. غير أن أحد عتاة المجرمين أجاب عليه باستهتار .. وكأنه يباهي بارتكابه جريمة أخلاقية مع آخر ... فأنتفض النميري وابتعد عنه وخرج من السجن .. وهو يردد : «الله لا رحمك.. الله لا رحمك».. وفاتت بذلك فرصة نادرة للعفو عن آخرين .. لم يحادثهم الرئيس!! ومن طرائف ذلك اليوم.. أن أحد المايويين .. كان مكلفاً بإعداد الوجبات لضيافة الرئيس والوفد المرافق له .. وتصرف الرجل بأخذ الخراف المحشوة ... وذهب بها إلى أحد الأفران في السوق وقام بطهيها وتحميرها .. وإحضارها للفندق ولكن أحد الاشقياء .. وكان يعلم بأن الرجل حساس .. وخواف شوية .. فسأله : «إنت ما عارف صاحب الفرن دهـ من الأنصار ... جايز جداً يكون سمم الأكل .. شيل شيلتك .. والله الرئيس دهـ تحصل ليهو حاجة يعلقوك في الميدان»!!.. وتأثر الرجل .. واهتزت أعصابه .. مرض (رسمي) ولم يبلغ صحته إلا بعد أشهر!! وفي صبيحة اليوم التالي .. كان برنامج الرئيس .. أن يزور حوض السليم ليستمع إلى تفاصيل وشكاوي أهل المنطقة .. المتصلة بتوزيع حواشات الحوض .. فأسرعت قبل الموعد بساعة كاملة وأخذت قوة من رجال الشرطة وتممت عليها داخل البنطون توطئة للعبور إلى السليم .. ثم صعدت بعد ذلك إلى برج البنطون .. حيث (يتحكر) الريس الذي يقود البنطون .. وما أن صعدت حتى فوجئت .. بريس آخر يجلس في موقعه .. ويمسك بعجلة القيادة .. وقد كان هو النميري بشحمه ولحمه في كامل زيه العسكري .. فلما رآني خاطبني بلغة آمرة .. وكأنه لم يحدث أن رآني في توريت زمان .. وقال : «أمشي الباخرة .. وخلي الوفد المرافق .. يحضر الآن .. في خمسة دقائق» ... فجريت جرياً .. وصعدت إلى الباخرة وفجرت الخبر .. ونهض الكل مذعوراً ... يرتدي ملابسه .. قبل أن يتسوك .. أو يغسل وجهه .. والأهم من ذلك .. قبل شاي الصباح .. وفي أقل من نصف ساعة تحرك البنطون يحمل الجميع إلى الضفة الشرقية .. ولعلها كانت أصعب لحظات (ريس البنطون) .. وهو يقود بحذر ويختلس النظرات بقعر عينه .. إلى النميري .. الذي كان يجلس إلى جوارهـ ..!!
ولما بلغ الموكب ساحة اللقاء الجماهيري في السليم .. وجلس الوفد داخل الصيوان .. وقف النميري وأخذ يتلفت ويشتم رائحة الأريج والعبير .. الذي عبق وغمر الجميع ويتساءل عن مصدر هذا العطر ... ولما علم بأن مكان الاحتفال محاط بعشرات الصفائح .. وبداخلها باقات مفرهدة من النعناع .. في حجم ربطة البرسيم .. انفرجت أسارير النميري .. وسعد أيما سعادة وقال : «موضوع النعناع دهـ كلام جميل جداً .. في الخرطوم .. وزير الزراعة .. بشم زهور بلاستيك»!!
ثم تعاقب المتحدثون وأصحاب الشكاوي .. حتى .. أمسك بالمايكرفون كهل (عكليتة) .. وأخذ يشكو ما حاق به من ظلم .. وكان صوت الرجل ناعماً رقيقاً .. كصوت الطفل .. وطأطأ النميري رأسه محاولاً منع ضحكة .. كانت على وشك الافلات منه .. ولكن الرجل قال بجرأة يحسد عليها : «بتضحك ليه يا ريس ..؟! أنت سمعت صوتي كده فاكرني أيه؟ عليّ الطلاق أنا أرجل راجل في السودان كله»!!..
أكمل النميري ضحكته المكتومة وخاطب رئيس اللجنة المختص ... وقال : «حلوا مشكلته .. حل نهائي»..!!
وعندما زار مدينة أرقو نزل الرئيس والوفد المرافق في ضيافة .. المرحوم جاد غريب مقلد .. وهو أثرى أثرياء المنطقة .. وقدم للجميع أصنافاً من الطعام .. جعلت البعض يتساءل عن ماهيتها .. وأخذ النميري .. الرغيف البلدي الذي يصنعه الناس هناك في حجم (طارة الكلتش) وصار يقلبه بين يديه متعجباً ويقول : «ده رغيف واحد بس؟ .. تبقوا إنتو يا ناس أرقو .. السبب في أزمة الدقيق» .. وأضاف : «لقد زرت معظم مدن السودان ولم أجد بلد ما عندها مشكلة غيركم .. أنا تاني موش حأجيكم» .. وأحسب أنه قد صدق!!.
وعندما أليل الليل في مدينة أرقو ذهب كل واحد من أفراد الوفد إلى مضجعه .. عدا مجموعة من أعضاء المجلس وآخرين .. جلسوا يتسامرون في ركن قصي من حديقة منزل جاد غريب .. وإلى جوارهم صينية فارهة تنوء بالدجاج والأوز واللحوم والكنافات والمكسرات والمربات .. وأحسب أن الجماعة .. قد استرجعوا وجبات الكسرة والعصايد .. وغيرها من الوجبات البسيطة التي تنم عن حال أهلها في مناطق أخرى من السودان .. فأرادوا بذلك أن يلقنوا أهل أرقو درساً قاسياً في الثورية والاشتراكية .. والاقتصاد ... فطلبوا القائمين على أمر خدمتهم .. وأمروهم برفع صينية العشاء فوراً .. واستبدالها بصحن فول من فول السليم المعطون بزيت السمسم ... فأخذوا الصينية وجروا شرقاً وغرباً لاحضار الفول وأرضاء الحكومة ... ولم يكن الفول وقتها (أكلة متداولة) .. كما يحدث الآن .. فألتقوا رجلاً بسيطاً .. وقد أعد صحن (طلس) كامل بالفول .. المدعوم بالزيت والبصل وقد زرعت فيه ألغام الشطة الخضراء وعندما أخبروهـ بحاجتهم للفول ... بناء على طلب الحكومة .. قدر الرجل الموقف وأعطاهم الصحن وطالبهم بإعادة الفاضي .. ولكن الصحن أعيد إليه وفيه دجاجتين محمرتين و(هَُبراً) من اللحم المجاور للعظم ... احتفى الجماعة بصحن الفول فأنكبوا عليه كمن يؤدون القسم .. وقضوا عليه هنيئاً مرئياً .. ثم خرجوا من دائرة الأكل كالعائدين .. من موقعة حربية .. يتصببون عرقي .. أقصد عرقاً .. وانصرفوا إلى مضاجعهم .. سعداء .. وشاع بعد ذلك أكل الفول بالبصل بين العباد وتطور حتى صار الفول فطوراً وعشاءاً .. بعد اسقاط وجبة الغداء!!.

ونواصل

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 01:36 PM   #5
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن 2 ذو الحجة 1429هـ الموافق 30 نوفمبر 2008م

أيـــــام النمــــــيري - كلام ساكت (5)
لواء «م» / محيى الدين محمد علي
زيارات النميرى التاريخية للشمالية التى ينتمى اليها .. غطت كما اسلفنا فى الحلقة السابقة .. مدينة دنقلا .. وحوض السليم .. ومدينة ارقو .. ثم امتدت الزيارة .. لتشمل منطقة الحفير .. ومشو بالضفة الغربية للنيل ، ومنطقة السكوت والمحس .. فى دلقو وعبرى على الضفة الشرقية من النيل .. وكانت الزيارة ختام المسك .. الى ارض اجدادهـ وابائه .. وحيث لازالت .. مبانى قصر ود النميرى باقية تهزأ بالسنوات .. ولما كانت القرى تمتد من دنقلا على شط النيل الغربى .. تتماسك ويشد بعضها بعضاً .. حتى تصل الى كمنيه وكويه ومشو والحفير . حتى ارتقاشة فإن جماهير هذهـ القرى .. تكدست واحتشدت على جانبي الطريق .. تهتف باسم النميرى .. وترفع شعاراتها فى استقباله .. ولما كان النميرى صاحب حس شفيف .. بنبض الجماهير واشواقها فقد صعد الرجل على ظهر عربة لاندروفر صالون وانتصب عليها كالطود يلوح بالعصا .. والكاب ويبادلها حباً بحب .. ولم تؤثر حركة العربة وسيرها وهي تشق طريقها وسط الزحام على ثباته .. ووقفته الواثقة .. وكأنه .. بطل من ابطال السيرك والاكروبات .. ومن الطريف .. أن احد الوزراء ضمن الوفد المرافق قد سولت له نفسه الامارة بالسوء .. ان يفعل مثل النميرى ومافيش حد احسن من حد .. وصعد ووقف على ظهر عربة لاندروفر اخرى .. ولما تحركت اهتزت اوصاله واعصابه وكاد ان يسقط من على ظهرها .. فتدارك الامر بان برك كما يبرك الجمل .. حتى احس به من كانوا بداخل العربة ، فتوقفوا وانزلوهـ وحشروهـ معهم حيث مكانه الطبيعى .. واستمر الموكب يمشى .. حتى .. خفت حشود الجماهير .. وتلاشت تماماً .. وعند منطقة قاحلة تماماً اوقف النميرى الموكب .. ونزل واخذ يمشى نحو الخلاء الغربى .. وكانت مئات العيون المطلة من عربات الموكب المختلفة ترمقه باندهاش وحيرة .. والرئيس ماشى .. حتى اختفى عن الانظار خلف كثيب رملى صغير .. دقيقة او دقيقتين .. ثم قفل راجعاً .. وهو يعدل من هندامه ويصلح ’’قاشه‘‘ .. حتى بلغ عربته وركبها وتحرك الموكب نحو وجهته .. وكان يجلس الى جوارى الاستاذ حسن عبدالماجد .. متعه الله بالصحة والعافية .. وهو من قدامى الشيوعيين .. وكان رجلاً لطيفاً ساخراً ضحوكاً مضحكاً .. فحدق فى وجهى ملياً وقال : إيه رأيك بأهـ ؟!
قلت : فى إيه ؟! .. قال : فى المصيبة اللي شفناها .. سوا .. انا وانت وغيرنا قبل شوية ؟! قلت : يا حسن يا اخوي .. الرئيس كرعينو اتعقلت .. نزل يطلقهم شوية .. فيها حاجة دي ؟! فقال حسن : لا ابداً مافيهاش .. بس سيادتو .. طلقهم بالتلاتة ..!!
وخلال زيارته الى ارض السكوت والمحس فى عبرى ودلقو .. ابصر الرئيس فى طريقه امرأة ورجلاً عجوزين يجلسان بانسجام تحت ظل نخلة سامقة وهما يحتسيان الشاي بمزاج .. اوقف النميرى الموكب .. ونزل من عربته .. ومشى نحوهما .. وجلس على الارض الى جوارهما .. وطلب منهما كوب شاي .. فقدما له الشاي وهما فى غاية السعادة .. فاخذ يحادثهما وسألهما .. قائلا : عرفتونى ؟! فقالا : ابداً والله !! فقال لهما : انا رئيس السودان !! فقالا : ايوهـ .. إنت عبود الغرقت هلفا ؟! فضحك الرئيس .. وودعهما .. وقفل راجعاً .. لينطلق الموكب نحو غاياته فى مناطق السكوت والمحس .. وكان النميرى يحرص على قراءة الشعارات المكتوبة على اللافتات وجدران المنازل وصخور الجبال .. ولاحظ انها لم تخرج جميعها عن الترحيب بقدومه .. وقولة ’’لن نعيش فى الظلام يا نميرى‘‘ .. وعند اللقاء الجماهيرى حث النميرى المواطنين على زراعة كل ارض حولهم .. وإلا فإنه سيحضر من يزرعونها .. ثم قال متسائلاً : وإيه حكاية لن نعيش فى الظلام دي ؟! لو قلتو ظلام الجهل .. إنتوا اول من طلّق الامية فى السودان .. ولو كان قصدكم الكهرباء .. انا حاكم السودان .. موش حتجيكم كهرباء !! واحسب أن الرجل قد صدق .. وأن قولته .. الصادقة هذه لا زال يرن صداها فى اصقاع ارض الحجر ..
وحتى يأذن الله بقيام سد كجبار ’’المكاجر‘‘ !!
زار النميرى معظم انحاء الولاية الشمالية والتقى باهلها جميعاً .. واستمع لشكواهم .. ومشاكلهم .. وخاطب كل اللقاءات الجماهيرية التى احتشد لها الناس ولم يحشدوا .. وكان خطابهم دائماً صادقاً .. وخالياً من كتروسترول الوعود الفارغة .. والامانى العذبة المستحيلة ..! .
ثم كانت الزيارة الخاتمة .. واللقاء الجماهيرى او بالاحرى اللقاء العائلى مع اهله وعشيرته .. فى ود نميرى .. فتحرك الموكب المهيب الى هناك .. تحلق وترفرف على اجوائه .. اغانى الطمبور .. واناشيد محمد وردى .. وهتافات الجماهير .. ولما بلغ الموكب .. حيث اعد مكان الاحتفال على شاطئ النيل العظيم .. ذهل الناس .. والجمت الدهشة افواهـ الجميع وهم ينظرون الى صفحة النيل وكأنهم فى حلم جميل وعشرات المراكب وقد ارخت اشرعتها البيضاء .. وظلت تدور وتدور مع ’’الهواء الصلاح‘‘ لتكتب على صفحة الموج بوضوح يقرأهـ الاميون - 25 مايو - !! .. ثم ومن بعد ذلك .. اندفعت الجماهير .. نساءاً ورجالاً وشباباً واطفالاً .. كالسيول .. نحو النميرى .. الكل يحاول ان يحتضنه او يضمه الى صدرهـ .. أو مسالمته .. وبدأ النميرى مستسلماً للجميع .. يحدق فى الوجوهـ .. وكأنه يري بين الرجال وجه ابيه .. وبين النساء وجه امه اللذين رحلا عن الدنيا .. ولم يريا ويسعدا بما بلغه من مكانة ومجد .. وقد هزت جوانحه كل امرأة .. تحتضنه هي تشرق بالدمع وتقول انا هالتك .. انا عمتك .. انا بت هالة امك .. وحاول النميرى ان يتماسك وهو رئيس البلاد .. كلها .. وهو العسكرى الصلب .. ولكنها صلة الرحم المعلق بعرش الرحمن .. ومنه اشتقت .. الرحمة هزت النميرى فإهتز وسالت دموعه وفقد رابطة جأشه .. فإنفلت من بين الجموع واسرع نحو جزع نخلة صرعتها الرياح .. فارتمى عليه .. ودفن رأسه بين يديه ورجليه وانفجر باكياً بصوت رجولى مسموع .. فتركه الكل وابتعد عنه .. وخيم الصمت على الجميع .. وظل النميرى على حاله برهة طويلة .. ثم وقف وكفكف دموعه .. واستعاد تماسكه .. وراجع هندامه والنياشين والانواط التى سقط بعضها .. لحظات .. العناق .. والزحام الرهيب .. ثم واصل البرنامج .. بمشاركة اهله .. فقرات احتفالهم .. به .. مشبعاً روحه .. وجوانحه بمحبتهم .. وحنونهم .. ومودتهم له .. مستشرفاً غدهـ .. بالتأمل فى ماضى جدودهـ .. وقصر ودنميرى الذى يتحدث بهذا الماضى العظيم .
لم تكن زيارات النميرى لاصقاع السودان المختلفة زيارات للتسلية والترفيه .. ولكنها كانت زيارات عمل يتقصى فيها اخبار المشاكل .. ويسعى لحلها .. وكما يقولون : يمشى للعقرب فى جحرو .. وقد قام النميرى بمعالجة العديد من المشاكل ورد الكثير من الظلامات خلال زيارته للشمالية التى استعرضنا بعض ملامحها ..
ولعل الطف انموذج لهذه الزيارات الطويلة العديدة المفعمة بالعمل .. كان هو عبورهـ النهر فى مركب نيلى .. ودخوله الى جزيرة .. تسمى جزيرة ’’درار الصغيرة‘‘ وهي جزيرة صنعها النيل الى جوار جزيرة ’’درار الكبيرة‘‘ وقريباً من ضفة النيل فادعاها سكان الجزيرة كما ادعاها سكان الضفاف وتنازعا عليها واشتجرا .. الكل يزعم بان النيل قد اخرج هذه الجزيرة من العدم لحضرتهم !! .. والذى حدا بالنميرى .. أن يجئ بنفسه ويدخل الجزيرة ويسعى لحل مشكلتها بين الطرفين هو أن فريقاً من المتنازعين هم ابناء عمومته .. وفريقاً من ابناء خؤولته !!
توهط النميرى على كرسى وسط الجزيرة وجلس الطرفان عن يمينه وعن شماله ، وإبتدر الحديث عن المشكل الذى يكاد أن يفرق بين الاسرة الواحدة .. ولاحظ .. إن بعض العناصر التى ترتدى البدل والكرفتات يجوسون بين الطرفين يلقنونهم الكلام والحجة .. فنادى النميرى على رجال الامن .. وقال .. الجماعة ديل محامين وهم سبب المشكلة .. امسكوهم .. وختوهم فى مركب وارموهم برهـ الجزيرة .. ونفذ الامر فى لمح البصر ..
وعلق معلق منهم .. والله الرئيس كشف اللعبة وقطع عيشنا !!

نواصل .


__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2018, 02:23 PM   #6
النور يوسف محمد
عضـــو
 
الصورة الرمزية النور يوسف محمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 4,581
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


سلام يا المحسى ،

سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم
عملت معه فى بداية فى مدينة نيالا وكان وقتها رئيس مركز نيالا

متعه الله بالصحة فمازلت أتواصل معه
النور يوسف محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-02-2018, 03:39 PM   #7
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

اقتباس:
سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم
هو كما قلت ...
متعه الله بالصحة وتمام العافية ... عمنا الحلبي محي الدين
__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-02-2018, 08:14 PM   #8
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

الاحد 9 ذو الحجة 1429هـ الموافق 7 ديسمبر 2008م

كلام ساكت ايام النميرى (6)
لواء «م» / محيى الدين محمد علي
لقد بدأت مايو ثورة حقيقية .. وتقبلها الشعب رغم سمرتها العربية المشربة بالحمرة .. وإستطاع النميرى بملامحه القومية السودانية .. وبساطته الشعبية .. وتصرفاته المحببة ، المخالفة للبروتكولات ، ومواقفه العديدة التى تنم عن الاصالة والشهامة ، ووطنيته الصادقة التى لامراء فيها ، وإحساس جماهير الشعب كلها ، بأن الرجل صفحة بيضاء ناصعة البياض ، سودانية مية المية ، لاتشوبها عصبية ولاعنصرية ولاقبلية ولاجهوية ولاحزبية ، إستطاع بكل ذلك أن يدخل قلوب الناس جميعاً ، ويتربع فيها رئيساً وقائداً ، ولولا أولاد الحلال الذين احاطوا به ليجعلوا منه ملهماً ومفكراً ، وعالماً وشيخاَ وإماماً فى آخر المطاف لانتشل السودانيين من (غيابت الجب) وإنطلق به نحو فجر جديد ، ومستقبل زاهر ، ولما نازعه آخرون على السلطة ..!َ!
قال جمال عبدالناصر فى خطابه التأريخى بدار الرياضة .. إنى المح فى عيون هؤلاء الشباب رغبة فى احداث التغيير بخطى أسرع ، مما فعلنا فى مصر !! وأحسب أن ناصر : أراد أن يقول بتهذيب على مهلكم ’’روقوا المنقة‘‘ قيسوا الف مرة وأقطعوا مرة واحدة .. حسب المثل الصينى .. ولكن قادة مايو إندفعوا وإرتكبوا أفعالاً كثيرة ، بدافع الاصلاح بس ’’ياهسارة‘‘ ، بدون دراسة ، ومن بين هذه الافعال الثورية التى عاصرتها فى دنقلا ، ومايو ما تزال طفلاً يحبو ’’يا دابو اتولد‘‘ استجلاب مجموعة من الخبراء الصينيين ، ليجوبوا الصحراء الغربية التى تمتد حتى حدودنا مع ليبيا وتشاد ، للتحقق من أي مؤشرات تنبئ بوجود البترول فيها بكميات تجارية ، وقد كنت اقدم المساعدات الممكنة لهؤلاء الخبراء ، متى ما طلبوها منى ، وذات مرة جاؤنى وطلبوا منى ان اساعدهم فى ايجاد (خبير شعبى) من ذلك النوع الذى يقص الاثر ، ويهتدى بالنجوم ، وله دراية بشعاب الصحراء ، وجئتهم برجل يدعى (حمدن الله) إن لم تخنى الذاكرة ، وهو من عرب الكبابيش الدناقلة ، فأخذوهـ معهم فى طائرة صغيرة ليدلهم على موقع الجبل الابيض مع الحدود الليبية ، ولكن الطائرة عادت ادراجها بعد ساعة ، وجاء الصينيون وعلى وجههم خيبة امل كبيرة ، وسألت الخبير الشعبى السودانى عن الحاصل ؟ فقال : وهو يضحك ’’عليّ الطلاق‘‘ وكت طرنا فوق والناس بقوا تحت زي النمل ، ما عرفت نفسى فى السماء وألا فى الواطا ! قلت ليهم لزمونى الجابرة ، وإن بقوا دايرين يمشوا بالعربات وألا يركبوا الجمال ، انا مستعد أوصلهم .
وبالفعل تحركوا نحو اهدافهم بمساعدة الخبير ، عن طريق العربات اللاندروفر ، وأعلم أن هؤلاء الخبراء قد اعدوا تقارير وافية عن مهمتهم ورفعوها للجهات المسئولة ، أما انا فقد قالوا لى ’’تحت إلحاحى‘‘ البترول موجود بكثرة ، ولكن لايستطيع إستخراجه إلا الامريكان ، لآن الامر يتطلب مدناً ومنشآت ضخمة فى قلب الصحراء ’’ودهـ طبعاً قبال اربعين سنة تقريباً‘‘ وقد تغير الحال ، وأصبحت الصين نفسها تستخرج البترول السايح فى الرمال !!
كذلك فقد جاءت مايو بخبراء روس وكلفتهم بدراسة ’’الخوي‘‘ ورفع التوصية المدروسة بشأن قيام مشروع زراعى ضخم فى المنطقة و(الخوي) هي الارض النائمة فى إنحناءة النيلن
بيكريمة ودنقلا ، شبه جزيرة يحفها النيل من الشمال والغرب والجنوب ، ويحتويها البر الى ما لانهاية شرقاً !! وقد ظل الروس يجوبون تلك المنطقة ليلاً ونهاراَ ، يحللون تربتها ، ويقيسون حرارتها وبرودتها ، بل ويحسبون أنفاس هوائها ورياحها ، وقد رفعوا مجلداً ضخماً بخلاصة ابحاثهم وملاحظاتهم .
وقد علمت من غيرهم ، إنهم أوصوا بقيام مشروع زراعى يوطن للقمح والنخيل والاعناب والخضر والفاكهة بشرط أن تنشأ فى قلب (الخوي) مدينة للمزراعين بمنازلها ومدارسها ومستشفياتها وباقى الاحتياجات من شوارع وماء وكهرباء .
وأحسب إن ملف الروس قد اعدم ضمن موجة الاعدامات التى اعقبت حركة 19 يوليو 1971م لأن (الخوي) الذى رأيته قبل نصف قرن ، لازال (مرمياً) تحت الشمس لا ماء ولاشجر ، ولاجديد سوى شارع الاسفلت الذى ربط بين دنقلا وكريمة أخيراً . والذى يمكن أن يكون فاتحة خير لإحياء هذا (الخويّ الخواء) وكهرباء السد العظيم تدق ابواب الشمال بقوة ..!
ولعل أخطر الافعال الثورية التى ارتكبتها مايو ، كان إقدامها على (خرمجة) حوض السليم والقيام بتوزيعه على من يستحق ولايستحق ، دون دراسة أو تخطيط ، بل ودون أهداف سوى التشبث بشعارات هلامية كانت موضة ، كالاصلاح الزراعى والارض لمن يفلحها ، وتقليم أظافر الاقطاعيين ، وليس ثمة زراعة فى الحوض يمكن اصلاحها ، وليس ثمة إقطاعيون لهم أظافر ، ومن منحوا الارض رعوا فيها اغنامهم لأنهم لايملكون القدرة على فلاحتها ، لأن الفلاحة ليست فلاحَة ..!!
إن الشمالية لم يكن لها دور فى توزيع حوض السليم بالصورة التى تمت ، ولكن القرار جاء من فوق ، ولعله قرار الحزب الشيوعى ، والذى جاء محاطاً بضوابط صارمة وحازمة وقاطعة ومحددة . لاتتيح فرصة للجنة التوزيع المكلفة بالتصرف المناسب حسب كل حالة ، ولما كنت دائم التواجد مع هذه اللجنة والتى أذكر أن رئيسها مرة كان الادارى المشهود له بالكفاءة والكاتب المرموق الاستاذ حمدنا الله عبدالقادر ، صاحب ’’خطوبة سهير ، والحيطة المايلة‘‘ والروائع الاذاعية الاخرى ، والذى كانت بعض تعليقاته الساخرة تدل على موقفه من القرار ، وتتفق مع ما أبوح به الآن بعد عقود من الزمان !!
إن حوض السليم مساحة شاسعة من الارض تحاذى النيل شرق من دنقلا الى ارقو بمسافة خمسين كيلو متر تقريباُ ، وكان هذا الحوض يروى بأن تغمرهـ مياهـ النيل وقت الدميرة فتخصبه بالطمى ، وتسقيه شربة ظمـأ لايظمأ بعدها إلا فى الدميرة القادمة ، وعندما ينحسر النيل تزرع الارض بالفول ووالقمح والشمارات والتوم ، وغيرها ، ولما تراكم الطمى وعجزت النيل من (ركوب) الحوض ، لجأ الناس الى زراعته بالمترات والوابورات ، وأستطاع الكثيرون الكثيرون من أن يحيلوا عشرات الافدنة الى جنان نخيلها باسقة وثمارها لامقطوعة ولاممنوعة .
وفولها : فول السليم سيد الاسم ، وكان من المتوقع أن تحول مايو هذا الحوض الى مشروع تعاونى مثلاً وأن توفر له الري المستدام بقنوات كبرى من النيل ..
إلا إن ما حدث كان مظاهرة سياسية فى ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله العذاب ، لأن حواشات بكاملها إنتزعت من أهلها الذين عمروها عبر السنين وصرفوا عليها دماء قلوبهم ، وسلمت لقمة سائغة لاخرين .. لاعلاقة لهم بالزراعة أصلاً ، وعلى رأي المغنى ، إشتراكية لأبعد حد !! وشمل النزع أول ما شمل أعيان المنطقة بإعتبارهم (الاقطاع) برأي أصحاب القرار ، ولم تسلم حتى مشروعات الناظر الزبير حمد الملك من النزع الجائر ، ولكن ولأن أهل السودان (دقة براهيم) وقد جبلوا على العفة ويقظة الضمير ، فإن الكثيرين من البسطاء ، الذين آلت اليهم بين غمضة وعين وإنتباهتها حواشة من عشرة أفدنة بمتراتها ووابوراتها وسواقيها ونخيلها واشجارها وثمارها وفومها وبصلها وبطيخها وعجورها ، لم يترددوا لحظة بعد استلام عقودها ، فجاءوا بها قبل أن تجف احبارها ، وسلموها لأصحابها الذين نزعت منهم ، وأنفاسهم اللاهثة ، تقول : دهـ ظلم ..
ولو الحكومة ما عندها ضمير ولا مخ ، أنحنا عندنا ضمير ومخ !!
وكثرت الشكاوى والتظلمات ، فالذى نزعت منه أرضه يشكو ، والذى منحت له يبكى تماماً كقصة الحلاق المجنون الذى أزعجته وجننته فوق جنه ، كديسة ظلمت تموء وتتمسح برجيله ، فقام بقطع أذن الزبون وقدمها للكديسة ، وقامت القيامة ، وإختلط المواء والبكاء وجاطت الاشياء !!
لقد حققت مايو نجاحاً منقطع النظير ، وتمكنت من توزيع الحوض على الناس من طرف ، وتسببت بذلك فى الفشل الذى يلازم حوض السليم حتى الان ، لأن تسليم اي مواطن عشرة افدنة من الارض الاخصب فى الدنيا ، دون أن تضع فى يدهـ مالاً ، وعلى رأسه إدارة ، وتحت رجليه جداولاً وماء ، ومن حوله آلة تحرث وتحفر وتزرع لايعنى شيئاً ، سوى حصاد الحصرم ، وقبض الريح والكتاحة !!
لقد احست الخرطوم والدامر إن مشروعها الثورى لم يحقق ما كانت تهفوا له مايو من نجاح يحمل أهل الشمال على الهتاف والتصفيق ، وتأكد لها إن الامر يمشى فى اتجاهـ الفشل ، وظلت الوفود تغدو وتروح بحثاً عن معالجة ، ومافيش فايدة ، حتى إن الرئيس النميرى نفسه جاء كما ذكرت فى مقال سابق ، وطاف حوض السليم ، وإستمع الى المشاكل ، وامر بحلها ، ولكن اصل المشكلة لايمكن حله إطلاقاً ، إلا بقرار إلغاء التوزيع ، ودهـ بالطبع لم يكن ممكناً وقتها ، لأن الثورة تراجع ولا تتراجع !!
لقد حملت الدهشة احد الدراويش ، وهو يرى (مرزقين) يحملون عقود ملكية أرض من عشرة فدان ، وبعضها غابة من النخيل واشجار الفاكهة ، فظل يجرى فى طرقات الحوض ، وهو يصيح الاكل أكل .. دهـ شئ ما حصل !! ولعل ما قاله لي مدير شركة (ارقو) المصرية . يدل على إن مايو إرتكبت افعالاً ثورية غير مدروسة فى ولايات اخرى .
فالرجل كان يأتى من مصر يقود عشرات العربات الضخمة لحفر آبار فى السودان ، ودرج على ان يكون ضيفى جيئة وذهاباً ، ولا يفتأ يذكر النميرى ، ويشيد به ، وبقيادته للسودان إشادة بالغة ويتمنى هامساً أن لو كان النميرى رئيساً لمصر والسادات رئيساً للسودان .. ومالو يا عم موش من عندكم ..!!
وحانت الرحلة الاخيرة لشركة (ارقو) وفى طريقها الى مصر بعد إنتهاء مهمتا . قال لي رئيسها وهو يغادر .. يا عم رئيسكم دهـ مجنون .. ما يصدق يلاقى شوية ناس قاعدين يقول احفروا ليهم بئر ، وابنوا ليهم مستشفى ، وكمان مدرسة وهلمجرا .. علشان إيه دهـ كله ؟؟ دهـ انا لو كنت محل الرئيس النميرى لاشتريت مليون كرباج ، ودورت فى العباد ضرب من اللي بالك عليه سقتهم بالقوة نحو البحر ، جنب الميه .. اشربوا وبلبطوا وازرعوا ’’’واللى موش عاجبو يشرب من البحر الاحمر‘‘ !!
اعزائى القراء الكرام كل عام وانتم بخير
وسنواصل بإذن الله .





.
__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-02-2018, 08:48 PM   #9
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - الاثنين 17 ذوالحجة 1429م - 15 ديسمبر 2008م

أيـام النمــيري -كلام ساكت (7)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كان المد الاشتراكي .. يتنامى في العالم .. وكان العالم الثالث كله يتململ راغباً في الانعتاق .. واستشراق .. فجر جديد تسودهـ العدالة .. وكان صوت الزعيم الثائر جمال عبد الناصر .. يجلجل في كل أنحاء العالم .. وبخاصة في أفريقيا والعالم العربي .. ولم يكن غريباً .. أن تتفجر في أي دولة من الدول ثورة .. تنادي بالاشتراكية .. أو الشيوعية (حتة واحدة كدهـ) .. وخلال هذا المناخ السياسي المواتي .. مدفوعاً بالمناخ السياسي القاتم .. داخل البلاد.. تفجرت ثورة مايو عام 1969م .. تتوشح وشاح الاشتراكية وترفل في (قرجيه) الوحدة العربية .. وتستطيع أن تستضيف الزعيم جمال عبد الناصر ليدعمها ويخاطب العالم كله من دار الرياضة في الخرطوم ..
وخرجت جماهير الشعب كلها .. الأعمى شايل الكسيح تهتف للثورة وتؤيدها .. وتدافع عنها .. وترحب بقرارات التأميم والخطوات الاشتراكية الأخرى التي اتخذتها .. والخطوة الجريئة التي مشتها في اتجاهـ حل مشكلة الجنوب ... (الغرغرينة) التي أصابت جسد الوطن قبل استقلاله وكان يمكن لمايو أن تستمر .. وتبقى وتنجح وترسم خط المستقبل للسودان وأهله .. ولكن وآهـ .. من لكن هذه .. فقد آثر الشيوعيون أن يظهروا عياناً .. بياناً .. وهم الذين لم يؤيدوا بيان الثورة الأول .. تقيةً أو تمويهاً أو من باب خلي نصفك عاقل ونصفك مجنون .. ولما تحقق الانتصار .. ذهب التردد وجاءوا بمعاولهم يهدمون القديم بدون روية .. و(يورُّونا) جديداً ما كان على بال .. ويخرجون وفي يديهم .. الفرشاة .. حتى أن نكتة لاذعة سرت بين الناس تقول بأن النميري سيقوم بتأميم المساجد .. وتسميتها (مؤسسة الرحمن للصلاة) .. إن الشعب السوداني شعب اشتراكي تعاوني بطبعه .. وقد قال الرئيس الصيني شاوين لاي عندما أدخله الرئيس الأزهري صيوان عزاء .. ورأى مئات الصواني الملأى باللحم والخبز .. والناس يبكون ويأكلون بلا هوادة .. وتساءل .. من أين لأهل الميت إعداد كل هذا الطعام ؟! فأوضح له الأزهري بأن هذهـ الموائد .. جاءت من كل بيت في قرية المرحوم .. ففغر الصيني فاهـ .. وقال .. بالصيني طبعاً .. دي الاشتراكية الكايسنها في الصين وما لا قنها !!.. ومغزى كلامي أن أهل السودان .. لم .. ولن يكونوا في حاجة إلى ماركس أو لينين أو حتى ماو ليعلمهم شؤون حياتهم .. وبين أيديهم دين حنيف .. يقول : تبسمك في وجه أخيك صدقة .. واتقوا النار .. ولو بشق تمرة !!
كرد فعل طبيعي على نشاط الشيوعيين وتحركات بعض كوادرهم المستفزة لمشاعر الناس .. ظهرت فئات تناصب مايو العداء.. تكتب على الجدران .. وتهاجمها في الساحات والمساجد .. ومن المواقف التي عاصرتها في مدينة دنقلا .. والتي أشرت إليها في مقال سابق .. أن مولانا حسن أحمد حامد وهو عالم ضرير .. خطب في أحد مساجد المدينة وهاجم مايو بشراسة .. وقال ضمن خطبته .. إن الشيوعيين قد تجاوزوا كل الحدود .. وهم يحتفلون بذكرى ميلاد لينين .. وهذه الذكرى تصادف ميلاد سيدنا عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» .. أهاجت خطبة مولانا حسن مشاعر المصلين .. حتى كادوا أن يخرجوا في مظاهرة تدين مايو .. وقمت كضابط مسؤول عن الأمن في المدينة برفع تقرير إلى الرئاسة .. بهذا الحادث .. وسرعان ما جاءني الأمر باعتقال الشيخ وفتح بلاغ ضده .. وقمت بهذا الإجراء واعتقلت الشيخ في هدوء ودون إثارة ، ولكن مركز الشرطة بعد لحظات كان محاطاً بالمئات من رجال دنقلا وشيوخها الذين يقدرون الرجل ويجلونه ، وحاصروني بالأسئلة والانتقادات واستطعت أن أجبر بخواطرهم .. وأهدئهم وأعدهم .. بأن الأمر سينتهي على خير بإذن الله .. وعلى ذلك توليت التحري في البلاغ بنفسي .. واستمعت لأقوال المبلغ والشهود .. وأُحضر الشيخ أمامي .. فأجلسته .. وبدأت أسأله للتيقن من النقاط التي وردت في خطبته والتي تجرمه وتحسب عليه ، وأحسن الشيخ بذكائه الفطري وأدرك قصدي وقال لي .. يا إبني أنا أحفظ ما قلته عن ظهر قلب وأكتب عندك .. وقام بقراءة خطبته عليّ بالسرعة الإملائية .. فكتبتها كما قالها وكل حرف فيها يكفي لإدانته بارتياح شديد وبدون شهود كمان!! شكرت الشيخ وأعدته للحراسة .. لتبدأ معه رحلة العذاب .. وأحسب أنها المرة الأولى التي يعذب فيها المتهم معتقليه .. ذلك لأنه شيخ وقور وعالم .. وأنه ضرير .. وأنه في حراسته .. لا يتوقف عن التسبيح وتلاوة القرآن .. ثم لأنه ظل ينادي في كل لحظة .. أريد أن أتوضأ أريد أن أصلي الفجر لوقته .. أريد أن أصلي الضحى .. أريد أن أتنفل .. وأن أتهجد .. وأن أتطهر .. وظل باب حراسته يفتح ويقفل بانتظام .. وقد أمرت رجال الشرطة بأن يستجيبوا لكل طلباته .. عدا الضمانة!!
تضايقت كثيراً من وجود الشيخ حسن في الحراسة لظروفه الخاصة .. وتعدد دخلاته ومرقاته من الحراسة .. وما ظل يحاصرني به .. أهل دنقلا وشيوخها .. فتوكلت على الله وخاطبت الرئاسة ـ عطبرة .. موضحاً محنتنا مع الشيخ .. ومعبراً عن إمكانية تحول الجماهير عن الثورة ومناصبتها العداء .. بسبب اعتقال هذا الرمز الديني .. وطالبت بالعفو عنه وإطلاق سراحه .. أو تحويله إلى عطبرة .. وكانت المفاجأة .. أن جاء الأمر بالعفو عنه وإطلاق سراحه وبقرار من النميري شخصياً .. ولا أجزم بأن خطابي كان السبب!!
ومثل ما فعل الشيخ حسن .. فعل آخرون .. في شتى المواقع .. وكنت أحسب كل ذلك إرهاصات تنبىء بتغيير ما .. وكان تقديري .. يتجه نحو إعلان النميري .. براءته من قوم ابن محجوب .. أو «مزيكة» جديدة وانقلاب عسكري وأنا ماشي أمريكا أو ثورة شعبية .. كثورة أكتوبر .. تعيد السيدين الجليلين .. إلى القصر .. ولكن حدث ما لم يتوقعه حتى الذين قاموا به .. والذين لم يعجبهم (حَمَار) مايو .. فجاءوا بحركة أكثر احمراراً!!
لقد حزنت جداً لوقوع انقلاب 19 يوليو 1971م والذي تم في منتصف النهار على غير عادة الانقلابات والمغيرات صبحا .. وحزن أهل السودان جميعاً ولكني كنت مثل .. الإداري الجنوبي .. برنابا كاسنقا .. محافظ الشمالية بالإنابة عندما قام الشيوعيون بمظاهرة صاخبة تظللها الرايات الحمراء في عطبرة .. وساروا إلى قيادة المدفعية .. وخرج لهم قائدها وخاطبهم مؤيداً مباركاً .. ثم اتجهوا إلى المديرية وقدموا المحافظ بالإنابة برنابا كاسنقا ابن الجنوب الثائر ليخاطب الجماهير .. ولكنه وبحكمة أهل الجنوب ودهائهم أمسك بالمايكرفون وقال.. طبعاً يا جماعة إنتوا عارفين عربي بتاعي ماكويس .. شكراً.. ليكم .. ثم نزل ودخل مكتبه .. وداعبه أحدهم وقال له .. وليه ما إتكلمت بالإنجليزي؟! فقال برنابا : يا أخوي.. أنت ما نصيح .. والله جماعة ديل ما بتموا إتنين يوم في كرسي !!
لقد كان انقلاب 19 يوليو .. هو الانقلاب الخطأ .. في الزمان الخطأ .. وفي البلد الخطأ ... وقد وصفه بعضهم بالمثل السوداني الظريف .. عايرة وأدوها سوط .. وكما توقع برنابا .. سقطت الحركة وأعادت الجماهير النميري .. إلى دست الحكم في 22 يوليو.. وظل بعدها في السلطة خمسة عشر عاماً .. أعانته عليها 19 يوليو بلا شك .. ورب ضارة نافعة .. ورب نافعة ضارة!!
لقد كان انقلاب 19 يوليو .. انقلاباً مشؤوماً انتهى بإعدام كل قادته ومؤيديه .. وراح ضحيته رجال من أكفأ الضباط في مجزرة بيت الضيافة .. بل وحرمت البلاد من قامات سامقة تستحق الاحترام والتقدير .. مثل المفكر عبد الخالق محجوب والنقابي الكبير الشفيع أحمد الشيخ .. والجنوبي اليساري جوزيق قرنق .. وانتهت حيواتهم بطلقات نارية لو كانت تعلم نتيجة فعلها لاستحالت إلى فشنك!!
نعم كان انقلاباً مشؤوماً لأن السجون والمعتقلات اكتظت على أثرهـ بالرجال والنساء .. وتجاوز عددهم في الشمالية وحدها الألف معتقل .. قضى المخططون منهم في المعتقل شهوراً طوالاً وبقي الآخرون سنوات أطول .. فقدوا خلالها وظائفهم .. وخسروا أعمالهم وضاعت أسرهم .. وتفككت!!
عندما .. وقع انقلاب هاشم العطا نهاراً جهاراً رُصد من أيدوهـ بالبرقيات والتهانئ وكان عددهم ستين شخصاً .. دوافعهم كلها لا علاقة لها بالشيوعية .. ومظاهرة بائسة واحدة خرجت من بضعة رجال .. وزفة أطفال وعيال .. ولما فشل الانقلاب .. وعاد أبو عاج .. قمت باعتقال بعض المتظاهرين .. وبعض المؤيدين وكانوا لا يتعدون السبعة .. ولكن لقد «جاطت» البلاد بعض الوقت بعد اندحار الانقلاب الشيوعي .. ونصّب العديد من أنفسهم حراساً لمايو .. فظلموا بغير علم وأصابوا الكثيرين بالأذى .. وبلغت آثار هذه «الجوطة» الشمالية ومنطقة دنقلا إذ تنفست الأحقاد بين الناس .. وسعى بعضهم لاستغلال الظروف لينتقم ويثأر أو يبتز .. وأصبحتُ أستقبل بين الفينة والأخرى .. رجالاً مكتوفين بالحبال .. محمولين على ظهور الحمير.. وعربات الكارو .. وأمسك يا جنابو .. ده (شعوعي) ابن الـ......! وتصرفت .. باللجوء إلى بعض شيوخ المدينة وحكمائها ... لمنع الناس من مثل هذه التصرفات التي ستنقلب في النهاية إلى صدامات بين الأُسر .. والبيوتات .. وحدث حادث بشع .. أدى لتوقف الناس من هذه الممارسات القبيحة .. وذلك عندما هاجم البعض رجلاً .. قدم إلى دنقلا بحثاً عن الرزق ورجموه بالحجارة .. وهم يهتفون .. أضرب الشيوعي أضرب الشيوعي .. وتدخلت الشرطة في اللحظات الأخيرة وانقذت الرجل المسكين وهو على مشارف الهلاك .. فاستغليت هذه الحادثة وأجريت تحقيقاً .. مع كل من اعتدى على الرجل أو حرض على ذلك .. وشمل العشرات من مثيري الشغب .. فهدأت الأحوال وكف الناس عن مهاجمة الآخرين واعتقالهم .. وامتلأت المجاري والكوش وتطايرت في سماء المدينة .. آلاف الأوراق والكتب والمنشورات الشيوعية ، والتي تخلص منها أصحابها من ذوي الميول اليسارية تحسباً لحملات تفتيش متوقعة!!
عمر انقلاب 19 يوليو .. كان عمراً قصيراً جداً بحسب الساعات ، وقد كشف هذا الوقت القصير كل الذين كانوا ينافقون النميري .. وكشف الغطاء عن أسرار الحزب الشيوعي التي ظل يتميز بها .. فبدد شمله وفت في عضده .. ولعل أصدق تعبير عن ذلك عندما التقاني الأستاذ محمد إبراهيم عبده كبج .. وكان مناوئاً للراحل عبد الخالق محجوب .. فسلم على طفلي الصغير ولم يسلم عليّ .. فسألته عن ذلك فقال .. علشان نعيد الحزب من تاني .. يتحتم علينا أن نبدأ المشوار مع الأطفال عمر يوم واحد!!
شاعت في البلاد .. نكات وطرائف كثيرة ورسمت العديد من الكاركتيرات .. تعبر عن الجهجهة التي وقع فيها الكثيرون .. (المذبذبون) ومطاردتهم لبرقياتهم التي أرسلوها .. بقصد اللحاق بها وإعدامها .. وشاعت طرفة .. الفنان الذي بدأ يسجل أغنية مطلعها هاشم العطا .. صحَّح الخطأ.. ولما سمع أصوات المدافع .. عدل الكلمات وقال .. هاشم العطا (سوا) الخطأ ...؟
لقد عاشت البلاد (جوطة) ودفع كثير من العباد ثمنها غالياً .. وقد كنت أستمع إلى المذياع ومايكرفون الإذاعة يجري لقاءً على الهواء مباشرة مع أحد الجرحى في السلاح الطبي ويسأله عن الحاصل .. فقال .. الموضوع هو أن جماعة هاشم العطا عملوا مؤامرة دنيئة شالوا النميري .. أنحنا كمان عملنا مؤامرة دنيئة أكبر من حقتهم ... ورجعنا النميري !! ويا لها من دناءة!!



نواصل

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-02-2018, 09:13 PM   #10
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - 25 ذوالحجة 1429هـ - 23 ديسمبر 2008م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (8)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت مدينة دنقلا .. مدينة صغيرة وكان عدد الموظفين فيها محدوداً جداً .. مما جعلهم أُسرة واحدة .. تلتقي في المكاتب والأمسيات .. وكان الأستاذ حسن عبد الماجد المحامي .. والرمز الشيوعي المعروف .. هو نوارة الجماعة .. بلطفه وظرفه وخفة دمه وحلو حديثه .. وشهامته التي كانت تتجلى في دفاعه عن المعوزين أمام المحاكم بلا مقابل .. والتي كان يحرص على حضورها الكثير من الناس .. لأن دفاع الأستاذ حسن كان لا يخلو من طرفة أو نكتة .. وذات مرة فتح ملاحظ الصحة بلاغاً ضده ، وقال للقاضي هذا المحامي يربي الناموس في (خرارة) ماء مصدرها منزله .. وقال المحامي حسن مدافعاً عن نفسه .. يا مولانا أنا موش قادر أربي عيالي .. أقوم أربي الناموس ؟! وضحك الجميع وانتهى الأمر .
لقد كان الرجل صديقي ومع ذلك فإن واجبي الشرطي قد حتم علىّ أن أخصه بتقريرين متباعدين رفعتهما للرئاسة عنه مرة .. عندما خطب في أحد الأندية بدنقلا وقال إن المرء .. يسعد .. أنه عاش ورأى الحكومة تحتفل بعيد العمال .. ومرة أخرى لما قال في (ونسة).. أن الشيوعيين جناح معاوية .. مرتزقة وجماعة عبد الخالق .. حيودوا الحزب في ستين داهية!!.. ولكن وفي صبيحة يوم 17 يوليو .. جاءني الأستاذ حسن عبد الماجد .. وهو بالمناسبة صهر الفنان محمد وردي .. ودخل لمكتبي على عجل .. وقال .. أنا لازم أكون في الخرطوم اليوم .. أنا عاوز بنزين كفاية .. وطلب شيئاً آخر .. لا أذكره وأعطيته ما أراد .. فودعني وقال لي .. أنا ماشي الخرطوم .. عاوز تبقى مدير عام شرطة .. ولا .. محافظ الشمالية ؟!.. فقلت له وأنت حتكون الرئيس؟! فقال مقهقهاً أنا حأكون وزير الداخلية .. ثم ودعني مرة ثانية وخرج مسرعاً .. وغادر بالفعل إلى الخرطوم .. واعتبرت كل ما قيل .. بعض نوادر المحامي حسن .. التي عودنا عليها غير أني تذكرت كل ذلك في يوم 19 يوليو .. عندما أُذيع بيان هاشم العطا .. ولم يلبث .. أن قرأ .. المذيع .. أول برقية تأييد لحركة التصحيح من حسن عبد الماجد المحامي .. بقلمه السلس ولغته االرفيعة الما بتغباني!!
استقبلت الشمالية وأهل دنقلا ما حدث في الخرطوم .. بالصمت والوجوم والبعض بالغضب والبكاء .. وكان أول من دخل مكتبي .. مجموعة من الرجال والنساء .. كانوا قد تعاقدوا مع الفنان عثمان حسين وأبو عركي البخيت وآخرين لإحياء حفل ليلة 19 يوليو وذلك .. إن لم تخني الذاكرة من أجل الثورة الصحية .. وأبدوا تخوفهم من إلغاء الحفل الذي يتسبب في خسارة للمتعاقدين .. وربما يؤدي إلى ثورة المواطنين .. الذين قطعوا التذاكر وتهيؤوا وأُسرهم لهذا اليوم الترفيهي النادر .. وتوكلت على الحي الدائم .. وقلت .. لهم .. ليقم الحفل في موعده .. وسأكون أول من يحضره .. وقام الحفل بالفعل .. وسلمت الجرة هذه المرة !!
وفي صبيحة 20 يوليو والأيام التالية هاجمني شاب شيوعي .. يرأس إحدى النقابات العمالية .. واقتحم مكتبي وسبني .. واتهمني بالرجعي المتعفن و(دق) أمامي منشوراً مطبوعاً طويلاً لحركة 19 يوليو .. وقمت باعتقاله والزج به في الحراسة .. كما سبق وأن ذكرت ثم تحركت مواكب مؤيدة .. هزيلة جداً يقودها بضعة من الرجال وزفة من الأطفال الصغار .. فراقبتها حتى تفرقت .. وأخطرت الرئاسة بأسماء عناصرها وهتافاتهم .. ونسقت مع ضابط البريد المسؤول .. لمدي بصور كل البرقيات التي أرسلت تأييداً ودعماً للانقلاب ، وكان مجموعها ستين برقية .. ليس من بين مرسليها .. شيوعي واحد .. ولما سقطت حركة 19 يوليو .. وعاد النميري إلى السلطة اجتاحت الولاية الشمالية .. مظاهرات عارمة تندد بالشوعيين .. وتهتف بحياة النميري وتطالب بالمزيد من الاعتقالات والإعدامات .. التي طالت العديد من العساكر والمدنيين .. ولكني تصرفت بهدوء شديد .. واعتقلت سبعة أشخاص كانوا ضمن المتظاهرين .. ولم أعتقل أحداً من مرسلي البرقيات .. وبعد أن استتب الأمن في الخرطوم .. انطلقت قيادات مايو .. لأصقاع السودان المختلفة .. يهنئون ويتلقون التهانئ .. بعودة الرئيس القائد .. وجاءنا الدكتور محيي الدين صابر .. يرافقه محافظ الشمالية .. سعد عوض .. عليهما الرحمة ، واستغلا رفاساً أو باخرة نهرية صغيرة.. وجابا بها كل القرى .. على الضفتين.. يخاطبان الجماهير .. ويسعدهما الهتاف الظريف .. أي والله نعم .. قلناها نعم .. ولما توغل الرفاس.. في مناطق السكوت والمحس.. قال الدكتور محيي الدين صابر .. ياجماعة أنا (كُوفَرْتَ) من كثرة الخطابة وبالعربي الفصيح .. وأخذ يخاطب الناس بالرطانة .. وقد استهوى ذلك أهل المنطقة وتجاوبوا معه تجاوباً كبيراً .. وكان يرافق الدكتور.. في غرفته رجل يناهز السبعين من العمر وكان يحترمه ويجلس عند قدميه .. ولا يشعل سيجارته أو غليونه.. في حضرته.. وعرفت أنه الرجل الذي رعى الدكتور.. عندما كان طالباً .. وساعده حتى أصبح .. علماً من أعلام السودان .. وذات ليلة .. استدعاني الدكتور .. ومعه المحافظ وهما يجلسان على سطح الرفاس.. وقالا لي .. لماذا اعتقلت سبعة أشخاص فقط .. والمنطقة بها العديد من الشيوعيين .. وأن هناك ستين شخصاً أبرقوا مهنئين قادة الانقلاب .. وحاولت أن أبرر موقفي ولكنهما (استهونا) أمري كضابط صغير (نجمتين).. ولم يستمعا إليّ ، وأمراني فور عودتي إلى دنقلا .. أن أقوم باعتقال كل من أيد .. حركة يوليو .. وأضاف الدكتور من عندو قائمة أخرى .. كان معظمهم زملاء دراسة لي في وادي سيدنا .. فقلت للسيدين .. الوزير والمحافظ .. إن العمل الأمني عمل تخصصي .. وأنا المتخصص الوحيد .. ومن الأفضل تركي .. أعمل بالتنسيق مع رئاسة الشرطة في عطبرة .. فقال لي المحافظ أنا رئيس لجنة الأمن .. وعليك أن تنفذ الأمر.. وإنت ساكت.. مفهوم؟! فغضبت جداً وقلت لهما .. إذن فلنبدأ العمل من هذه الباخرة .. وأرجو أن يسمح لي السيد الوزير باعتقال الرجل الذي يقيم معه في غرفته !! فاستشاط الدكتور غضباً وقال .. هي حصلت؟
فقلت له .. هذا الرجل .. أرسل برقيات عديدة تأييداً لقادة الانقلاب .. وخص كل واحد منهم ببرقية.. ويمكنك أن تسأله .. فأسرع بالدخول إلى غرفته .. وعاد بعد برهة .. ووضع يده على كتفي وقال لي .. يا إبني إنت فعلاً عارف شغلك .. أمشي اشتغل بطريقتك!!
وعندما وصلنا إلى دلقو .. استضافنا الدكتور محيي الدين في منزله .. وهيأ لنا مكاناً نستريح ونأكل ونشرب فيه .. وانسحب من مجلسنا .. وغاب قرابة الساعتين وتساءل الجميع عنه .. ولكني كنت أعلم أين هو .. فالدكتور محيي الدين صابر هو ابن خالة المقدم .. أبو شيبة وكلاهما وحيد أمه .. وأبو شيبة كما يقول البعض .. هو المنفذ الفعلي لانقلاب مايو .. ثم هو المنفذ لإنقلاب هاشم العطا .. رغم الصداقة القوية التي كانت تربطه بالنميري .. وأنه هو الذي أخرج عبد الخالق محجوب من السجن .. وخبأه في القصر الجمهوري ... وقد كان وقتها مسؤولاً عن الحرس الجمهوري .. وشملته موجة الإعدامات .. ولم تشفع له صداقة النميري .. ولا وساطة ابن خالته محيي الدين صابر !!
إذن ذهب محيي الدين .. ليعزي خالته وأهله .. في ابنهم أبو شيبة الذي أعدم .. ودخل المنزل وكان الناس جميعاً جلوساً .. لم يتحرك أحد لاستقباله أو رفع الفاتحة معه .. وظل يتحدث ويتحدث مبرراً .. عجزهـ .. عن إنقاذ ابن خالته .. الذي جاء به إلى الوزارة كما يقول البعض .. ولما لم يجد .. أي تجاوب من أهله .. انسحب بهدوء وخرج وعاد ليواصل جلسته معنا ويتناول العشاء .. وخاطبني فجأة .. وقال برضك وراي وراي .. أنا شفت عساكرك .. هناك .. قريب من بيت أبو شيبة .. أنا كنت عاوز الحكاية سرية خالص .. فقلت له .. إنت دكتور .. ووزير .. وأنا مسؤول عن حمايتك !!.. فقال لي اللي حصل حصل .. بس ما ترفعش الموضوع ده إلى الجهات العليا .. فوعدته بذلك ولكن الجهات العليا .. هي التي نبهتنا لما قمنا به .. والشغل شغل!!
واستمرت رحلة الدكتور محيي الدين والمحافظ سعد عوض .. وعند اللقاء الجماهيري الحاشد هناك.. قال الدكتور.. ما فيش حد .. يخطب معاي شويه .. أنا تعبت خالص .. فقلت له .. أنا .. ممكن أخطب .. فأخرج نظارته .. ونظر إليَّ مندهشاً .. إنت بتتكلم جد؟! فقلت نعم .. وتقدمت نحو المايكرفون .. وتحدثت ساعة من الزمن .. أثارت الجماهير وقاطعها الناس بالهتافات والتصفيق .. ولما انتهيت .. صفق الدكتور بنفسه طويلاً .. وهنأني .. وقال لي .. أنا عاوزك في الخرطوم ضروري .. أنا محتاج لواحد زيك .. أنا حأعينك مدير لمكتبي في درجة ما تحلمش بيها .. وذهب الرجل إلى الخرطوم .. ولم ألحق به .. لأن تقريري الشامل .. عن زيارته .. كان قد سبقه مفصلاً وبالحتة !!
أما الأستاذ حسن عبد الماجد .. وبعد برقيته الشهيرة .. اختفى ولم يعد إلى دنقلا .. وذات صباح .. رن جرس التلفون .. في مكتب المساحة .. وهو المكتب الذي تعودنا أن نلتقي فيه جميعاً لتناول طعام الإفطار .. المكون عادة من فول السليم العجيب .. وكبده الإبل التي كان السادة الجزارون .. «يبروننا» بها .. وجاءت ساعة الاتصال التلفوني .. متزامنة مع لحظات الفطور .. وانبرى أحد الموظفين للرد على التلفون .. وفجأة انتفض كمن لدغته عقرب .. ورمى السماعة .. وجاءنا .. وهو يلهث .. ألحقوا .. حسن عبد الماجد على الخط .. فأسرعت وأخذت السماعة .. وبادرته بالتحية .. والسؤال عن أحواله .. وفهمت منه أنه يرغب في تسليم نفسه .. فقلت له .. يا صديقي .. لو سلمت نفسك في دنقلا .. فستكون أهم المعتقلين .. ولكن ترتيبك في الخرطوم سيكون في أدنى قائمة «فطاحلة الخرطوم» .. ويبدو أن الأستاذ حسن .. قد قلب الأمور واختار الوسط خير الأمور .. وسلم نفسه في مدينة عطبرة .. وعلمت بذلك .. وعزمت في دواخلي .. أن أقدم له كل المساعدة الممكنة .. سيما وقد تقرر نقلي إلى عطبرة .. ولكن لما وصلت عطبرة .. علمت .. أن الرجل تم تحويله إلى الخرطوم .. فاعتصرني الألم وأشفقت عليه .. من هول ما كان يجري في الخرطوم .. من إعدامات !!
وذات يوم .. وصل رئاسة شرطة الشمالية مظروف أبيض كبير عليه رسم شعار الجمهورية .. معنون لشخصي «شخصياً» فارتعدتُ وأصابني الخوف .. واستعرضتُ سنوات عملي الماضية .. وأنا أحادث نفسي .. يا ربي أنا سويت شنو ؟! وهل هي شكوى أخرى ضدي .. كالتي جاءت للتحقيق معي بأمر الرقيب العام .. وفحواها «يوجد في مدينة دنقلا .. ضابط اسمه محيي الدين .. يأكل الخرفان كالأحزاب البائدة .. ويشرب المكيفات غير اللازمة»؟!
على كل حال فتحت المظروف .. وقرأت بداخله تكليفاً .. من مدير الأمن العام .. بكتابة تقرير .. عن الأستاذ المحامي حسن عبد الماجد .. فأخذت نفساً عميقاً .. وارتحت .. واعتبرتها فرصة .. لتقديم المساعدة لصديق عزيز .. وفكرت ملياً .. حتى اهتديت .. وقمت بمراجعة كل التقارير الأمنية التي كنت أرسلها من دنقلا ، وعثرت لحسن الحظ على التقريرين اللذين سبق وأن أرسلتهما عن نشاط الأستاذ حسن وقمت بإرسالهما لإدارة الأمن العام .. لأنهما كانا يصبان في مصلحته .. وقد ساعدا على إطلاق سراحه .. ومع ذلك فإن الرجل كان عاتباً عليّ .. لأني كتبت ما كتبت .. من وراء ظهرهـ !!


__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 09:50 AM   #11
حسن النضيف
عضـــو
 
الصورة الرمزية حسن النضيف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2015
المشاركات: 304
افتراضي

نميري تسبب في الكثير من المشاكل والمصائب للبلد.
مجزرة الجزيرة ابا
عدنان خاشقي
مقتلة قادة الحزب الشيوعي
الخ
شخص مهوووس مزاجي كالقذافي كثير من القصص تروى عن تهوره وتقلبه مرة يفك مجرم شان خاطر مرتو ومرة يسجن صاحب قعداتو شان زكاو بالموتر وهو يجلس في العربة الرئاسية.
للاسف السودان لم يحكمه راجل يخاف على شعبه وموارده.
اخير الناس تدي فرصة لتحكنا النساء لانهن حنينات براعو لينا
من الاستقلال نحن من سئ لاسوأ
التحية للاخ المحسي ومن قبل لعمنا محي الدين
حسن النضيف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 12:06 PM   #12
أبو جعفر
عضـــو
 
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
تاريخ التسجيل: Jan 2013
الدولة: السودان - أم درمان
المشاركات: 928
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن النضيف مشاهدة المشاركة
نميري تسبب في الكثير من المشاكل والمصائب للبلد.
مجزرة الجزيرة ابا
عدنان خاشقي
مقتلة قادة الحزب الشيوعي
الخ
شخص مهوووس مزاجي كالقذافي كثير من القصص تروى عن تهوره وتقلبه مرة يفك مجرم شان خاطر مرتو ومرة يسجن صاحب قعداتو شان زكاو بالموتر وهو يجلس في العربة الرئاسية.
للاسف السودان لم يحكمه راجل يخاف على شعبه وموارده.
اخير الناس تدي فرصة لتحكنا النساء لانهن حنينات براعو لينا
من الاستقلال نحن من سئ لاسوأ
التحية للاخ المحسي ومن قبل لعمنا محي الدين

تحياتي حسن النضيف والتحية موصولة لمفترع البوست وله الشكر على المفترعات القيمة.

في الحقيقة النميري هو ضحية لفكر فاسد متخصص في تدمير البلاد واستعباد العباد وعنده مشكلة لكل حل، زرعه اليهودي هنري كوريل بواسطة عملاءه أمثال عبد الخالق محجوب والشفيع تحت ستار العطف على الفقير وهم من دمر معيشة وعلاج وسترة الفقير بتدميرهم لمقدرات الدولة من تعليم وصحة وزراعة وصناعة تحت وهم الشرعية الثورية التي أسلمت السلطة لمغامرين من أصحاب المرتبات، لم يديروا من قبل شأنهم الخاص فما بالك بشأن دولة تحتاج كل يد فيها لتبنى ... فكان أن سلطوا يد من بينها يد صاحب المذكرات، لكي تقبض على باقي الأيدي فتعطل كل شيء.

ومن هنا فالنميري وكاتب المذكرات هم ضحية لتعليم فاسد أعطاهم الوظيفة ولم يبصرهم بواجباتها وعلى رأسها حماية سلطة الجماهير حتى لا تفسد البىلاد وتنتهك حقوق العباد.

وأذكر أن إحسان عبد القدوس كتب مقالاً طلب فيه من قيادة انقلاب يونيو 1952م في مصر، الظهور للعلن بدلاً من تلك .السرية المعتمة في إدارة شأن الدولة والحكم، وذلك حتى يحاسبهم الشعب على قراراتهم ... لأن الشعب هو المالك الحقيقي للدولة وحاكمها، وأن الوحيد الذي لا يسأل في الكون هو الله سبحانه وتعالى. فكان نصيبه أن سجن ثلاثة أشهر ... ونصيب كل من نصحهم وأفتروا كذباً الخزي والعار والشنار. فقد مات عامر وناصر وكل من ساندهم، تسبقهم لعنة الطغيان إلى قبورهم.




__________________
أحشفاً وسوء كيلة

التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 07-02-2018 الساعة 12:28 PM
أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 12:48 PM   #13
حسن النضيف
عضـــو
 
الصورة الرمزية حسن النضيف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2015
المشاركات: 304
افتراضي

التحية لك العزيز أبو جعفر.
الواحد المغصة بتكتلوا لمن يقرأ عما فعله الحكام بالبلاد والعباد.
والله البلد دي لو حكمه زول بخاف الله جد كان بقت شئ عظيم.
مشكلتنا حكامنا كلهم مرض وجايين من قلب الفقر شان كده عذبوا الخلق ونفثوا عقدهم.
لو جانا حاكم ود عز ساي كان عزانا
حسن النضيف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-03-2018, 10:29 PM   #14
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 3 محرم 1430هـ الموافق 30 ديسمبر 2008م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (9)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
بعد أن تأكد نقلى من جوبا الى دنقلا .. راجعت حساباتى فتبين لي بعد ثلاث سنوات من العمل بالاستوائية أنى لا املك مالاً .. وكل حيلتى (هاندباك) نصفها ملابس واحذية .. والنصف الباقى .. هواء ساخن .. وتخيلت موقفى بين يدي ابى وامى واهلى .. وانا اعود بعد كل سنوات الاغتراب .. (وهاندباكى والنجم) !! فكرت ملياً ولم اتردد فى اقتحام مكتب السيد قومندان بوليس الاستوائية .. الفارس الشهم .. عصمت معنى .. الذى تغنت بشمائله الركبان والحسان .. وقلت له : يا سعادتك إن ليالى (الترم ترم) فى جوبا .. لم تترك فى يدى مالاً يمكننى السفر به الى دنقلا .. انا لا اطلب مالاً ، ولكنى ارغب فى العمل مدة اخرى بالاستوائية !! ضحك الرجل وقال : دي بسيطة جداً .. وسأعالج الامر مع الرئاسة .. فرجعت مسروراً .. وقررت أن أعيد تذكرة سفرى لإلغائها .. ولكن كلباً إبن كلب .. عض مواطناً جنوبياً .. فقمت باتخاذ الاجراءات واحضرت المتهم وكان تاجراً إغريقياً لسوء الحظ من أصدقاء القومندان .. فترددت فى ادخاله الحراسة .. ولكن اصدقائى الاعزاء أولاد دفعتى محمد الفاتح عبدالملك وعوض الكريم ابوسن .. حرضانى على المضي قدماً فى الاجراءات .. دون خوف أو وجل فطاوعتهما .. وحدث ما توقعته وأمرنى القومندان بإطلاق سراحه بالضمان فوراً .. ولكن صديقنا وكبيرنا القاضى .. مولانا .. الصادق الشامى أتم الناقصة .. ورفض الموافقة على الضمانة .. حتى الافادة (عن سبب السعر من دونه) بلغة كاتب البلاغات !!
ولما كان السيد عصمت ، على علم بالصداقة التى تربطنا مع الاستاذ الشامى .. فقد ظن - وهو محق - إن فى الامر مؤامرة .. فأستدعانى الى مكتبه .. ووبخنى .. وأمرنى بتنفيذ النقل فوراً الى دنقلا .. فخرجت من عندهـ والتذكرة مازالت فى جيبى . وذهبت الى الميس وأخذت (هاندباكى) وتوجهت الى المطار وتيسر الامر فحلقت بين طيات السحاب بعد ساعة تقريباً .. ومن الخرطوم .. واصلت الى دنقلا .. ووجدت دفعتى الاستاذ المحامى اللواء ’’م‘‘ صديق الهادى الخضر .. وكان وقتها بنجمتين رئيساً لشرطة دنقلا بالإنابة ، وعملنا معاً فى إنسجام تام سيما ونحن أصدقاء .. حتى غادر الى عطبرة ، ثم الخرطوم ، حيث تم إختيارهـ مديراً لمكتب اللواء الباقر احمد وزير الداخلية .. ولما كانت مايو قد بادرت وإعترفت بالمانيا الشرقية فقد .. مد الالمان أيادى بيضاء للسودان فى شتى المجالات .. وفتحت الابواب امام وزارة الداخلية وضباطها لتلقى دورات تدريبية .. إدارية .. وجنائية .. وأمنية .. ومرورية وغيرها ، وكان من الغريب جداً أن تم إختيارى لدورة تدريبية على اعمال المرور .. وسافرت الى ماقدبرج .. ضمن مجموعة من الزملاء .. الطريفى .. واحمد حميدة ومبارك .. وحسن محمد خير .. ورأينا هناك العجب العجاب .. والذى لا مجال لسردهـ .. ضمن هذا المقال .. ولكن .. كان صدى إعتراف السودان بالمانيا الشرقية عظيماً .. فقد كانت صورة نميرى .. تزين أماكن كثيرة من شوارع المانيا .. وكان ابتهاج الناس بنا .. ونحن نقدل .. بجلابيتنا وعمائمنا .. وشالاتنا .. وبدلنا الافريقية .. يثلج صدورنا .. بل وكان اكثر ما يسعدنا .. هو همس الفتيات الجميلات فى وجوهنا .. نميرغى .. نميرغى !!
لقد تعامل معنا .. الالمان الشرقيون بندية .. بإعتبارنا رفاقاً شيوعيين .. قادمين من افريقيا .. علماً بأننا جميعاً أبرياء من الشوعية .. ولا علاقة لنا بها .. وكان سكرتير الحزب الشيوعى فى مدينة ماقدبرج .. هو رئيس قسم المرور فى المدينة .. والذى كنا نتلقى الدورة التدريبية المرورية تحت اشرافه .. وكان رجلاً لطيفاً .. ظللنا فى كل مرة .. ندعوهـ للعشاء والسهر معنا .. فيلبى الدعوة .. حتى (تجوعل) الرجل ودعانا الى عشاء وسهرة فى دارهـ امتدت لما بعد (نص الليل) .. فأكلنا وشربنا .. وفجغنا وجغجغنا .. كما يقول اسماعيل عبدالمعين .. والخواجة ينظر الينا ساهماً .. محمراً .. ويزداد إحمراراً ويكاد ينفجر بالدماء ’’الارية‘‘ ولما ’’هسك‘‘ اليل خرجنا .. وخرج ليودعنا وعند الباب سألنا إن كنا نمتلك بترولاً .. فقال احدنا عندنا الذهب الابيض .. القطن.. فأستشاط الخواجة غضباً .. وقال .. إنتوا مش شيوعيين .. أنتم تصرفون ببذخ لاعلاقة له بالاشتراكية .. وظللتم تكرموننى حتى اضطررت لدعوتكم رداً للجميل .. وضاعت بذلك كل مدخراتى .. فلا رحلات ولاسفر .. ولاسياحة .. لقد خربتم بيتى .. أو هكذا قال !!
لقد كانت دورتنا التدريبية لبضعة اسابيع واحسب اننا رأينا فيها الاشتراكية العملية الشيوعية مطبقة كما لم تطبق فى الاتحاد السوفيتى نفسه .. فقد كان الاكل والشرب والعلاج والتعليم متاحاً للجميع .. غير أن الجميع سواسية كأسنان المشط .. عند الفقر .. وإن الافواهـ (مطبولة) جميعاً عند حرية الكلام .. أو كما حكى لي احد اليمنيين بأنه عاد الى بلادهـ .. فقدموهـ ليصلى بهم فصلى بهم العشاء سراً ؟ فقال : عندنا فى المانيا الشرقية كله سر فى سر !!
لقد كانت ايامنا بالمانيا هي الاحلى لولا أن كدرتها وفاة الزعيم جمال عبدالناصر .. قبل عودتنا ورأينا بأم أعيننا شعوب الارض جميعاً وقد توشحت بالسواد وهي تتوجع وتتلوى على الطرقات والميادين تولول وتصرخ وتهتف وقد تعجبت فى حينها على رحيل الزعيم ، ولم يشذ عنهم إلا العرب فقد كانوا منشقين حتى فى البكاء !!
ولما عدنا الى السودان الحبيب قام كل منا بكتابة تقريرهـ عن الدورة ، وكتبت تقريراً وافياً شاملاً وختمته بقول ’’موش مظبوط‘‘ .. وقلت إن إختيارى لهذه الدورة فى مجال المرور .. لم يكن موفقاً .. لانى لم اجرب العمل فى مجال المرور من قبل .. لأنى اعمل فى مدينة دنقلا .. التى ليست بها سوى بضعة لوارى وعربة تاكسى واحدة ومئات الحمير .. وتلقف تقريرى (أشاوس) فى رئاسة الشرطة ووضعوهـ امام السيد المدير العام الفريق على صديق وخطوا خطاً احمراً تحت كلماتى الفارغة ، آملين أن يقطع سيادته (خيطى) ولكن الرجل وهو المدير العام الذى جاء مع مايو اصيلاً من شركائها خذل الجماعة وقال : إتفق مع الضابط الشجاع ، وعلى الادارة أن توفر له فرصة العمل فى مجال المرور عاجلاً .. ! .
ولما نقل القومندان عصمت معنى مديراً جديداً للشمالية .. ورئيساً لي للمرة الثانية .. توجست خيفة منه ، ولكنه الرجل عليه رحمة الله كان اكبر من توجساتى وظنونى ، ولعله إطلع على ملفى وتقريرى وتعليق السيد المدير العام عليه .. فأصدر قراراً بنقلى من دنقلا الى عطبرة .. لتأسيس قسم المرور فيها .. وإعداد الخطة والقوة المطلوبة .. لتنفيذ مشروع تحويل الحركة من الشمال الى اليمين والذى بدأت شهورهـ فى عدها التنازلى .. فإنتابنى شعور غامر بالفرح .. وسارعت بتنفيذ الامر والسفر الى عطبرة لإقوم بتأسيس قسم المرور وإنشائه من العدم مستعيناً بكل ما تزودت به من معرفة أغدقها علينا الالمان بإخلاص ، ولما وصلت عطبرة أحبطت وصدمت جداً لما علمت بأن السيد عصمت معنى قد تم استدعائه الى الخرطوم وإن قومندان السكة حديد يحي حسين على نور قد كلف بامر شرطة الشمالية أيضاً ، وإن اول ما قام به هو نقلى الى قسم المباحث والامن (فعصلجت) وتذمرت وابديت عدم رغبتى فى عمل الامن والمباحث ، وطالبت بتمكينى من ممارسة عمل المرور ، وظل الرجل الانسان المرحوم الحكمدار احمد محمد سعد ينصحنى بالتنفيذ ، وكنت اصر على مقابلة السيد القومندان ، حتى ساقونى بظلفى الى حتفى ، وادخلت على السيد القومندان يحي حسين ، والذى لم يتيح لى فرصة الكلام ..وقال : إنت موش عاوز تنفذ النقل ليه ؟! فقلت : انا لا اعرف عمل الامن !! فقال : آمال فى الجنوب كنت بتعمل إيه ؟ بتلعب ؟! أمشى من قدامى الى مكتبك طوالى ، ولو ما عاجبك ملص الدبابير دي ختها قدامى وامشى بيتكم !!
وخرجت مهزوماً مدحوراً ، وجلست الى مكتبى وطلبت شاي سادة وحبتين بندول !! وأحس الحكمدار احمد محمد سعد بهزيمتى ومحنتى وأراد أن يخفف عنى ويدخلنى فى اجواء العمل بهدوء ، فقال لى : إن الرئيس النميرى سيعبر من الخرطوم بقطار خاص ، وسيتوقف قليلاً فى محطة عطبرة ، ويغادرها الى ابى حمد ، وانه ليس ثمة لقاء شعبى أو رسمى ، لأن القطار سيدخل عطبرة عند الخامسة صباحاً وإن واجبى هو التحرك على رأس قوة وتأمين قطار الرئيس من دخوله الى عطبرة وحتى مغادرتها ، والحرص على حماية الرئيس والوفد المرافق له ، خلال الوقت الذى يتوقف فيه بمحطة عطبرة ، ونفذت الامر بحذافيرهـ ، وإخترت أن أكون مع قوة مناسبة على مقربة من صالون السيد الرئيس ، وكانت المحطة خالية تماماً ، لا احد فيها سوى بعض (العطشجية) والعمال المكلفين بمراجعة وقود القطار ، والماء وربما خدمات (السناطور) !! ونزل الرئيس وحام بالمحطة ، فشات كرتونة صغيرة برجله حتى طارت بعيداَ ، وظل يحك بالعصا بعض الاوساخ من جدار احد المكاتب ، وكان الوفد المرافق من خلفه يمشى إذا مشى ويقف إذا توقف ، تكسو كل اعضائه هالة من التأدب والخضوع فى معية الرئيس ، وجاء رجل سكران وهو يهتف باسم النميرى ويحاول الصعود الى تلتوار المحطة ويصر على ذلك إلحاحاً ، وحاول احد رجال الشرطة ان يمنعه ويبعدهـ ، ولكنه سقط على ظهرهـ ، فقد كان الرجل (عاجزاً عن نفسه) ورأي النميرى كل ذلك فصاح يا بتاع البوليس سيبوهـ خلوهـ يجئ ، وكان حالنا كحال خادم الفكى ، فأحضرنا الرجل ورفعناهـ على التلتوار فمشى نحو الرئيس هو يهتف : ابوكم مين .. نميرى .. وعندما اقترب من الرئيس جرى نحوهـ محاولاً إحتضانه ، ولكن النميرى قفز برشاقة مبتعداً عنه ، وسقط السكران على وجهه ، وجاء النميرى وجلس الى جوارهـ وأمسك بإذنه وظل يفركها ، ويقول : سكران ستة صباحاً آمال بالليل تعمل إيه ؟ ووقف النميرى ويدهـ لازالت ممسكة بإذن السكران ، الذى وقف هو الآخر على أصابع قدميه ، من شدة الفرك ، وكانت شفتة الرجل السفلى حمراء ، فعلق عليها النميرى قائلاً : تشرب العرقى حار من نارو .. لما برص ليك خشمك .. صبر ما عندك !! ثم أطلق أذن الرجل فعاد خائباً ، وهو يمسك بها ، ولما وصلنا هتف قائلاً : البوليس عدو الشعب .. صبحتونا قطعتوا رزقنا .. قلنا الريس يدينا حق الشربة ، ملص لينا إضنينا ، بالمناسبة رئيسكم ما شاء الله عليه .. علي بالطلاق إيدهـ مفتاح إنجليزى عديل كدهـ !!
ودخل الرئيس (قمرته) أما المرافقون فقد ظلوا بعض الوقت خارج القطار ، يقهقهون من فعل الرئيس ويتلوون ، ولكن الله سلم ، لآن أحداً منهم لم يمت من الضحك !! غادر القطار وغادرنا المحطة ، بعد أن وضعنا امام السكران كميات من الطعام ، وقلنا له : هاك فكها .

ونواصل .

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-03-2018, 10:48 PM   #15
elmhasi
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,782
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 10 محرم 1430هـ - 6 يناير 2009م
كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (10)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت رئاسة الشرطة في عطبرة قد أصدرت قراراً بنقلي من دنقلا .. إلى عطبرة .. لإنشاء وتأسيس قسم لحركة المرور .. يضطلع بدور العمل المروري ووضع خطة العمل .. لمقابلة مشروع .. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين .. ولكن وبعد وقوع إنقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971م .. تم استعجالي لتنفيذ أمر النقل .. ولما وصلت عطبرة .. علمت بأن أمر نقلي قد عدل .. للعمل بقسم المباحث والأمن فتذمرت وأبديت عدم رغبتي في عمل المباحث والأمن .. ولكني أجبرت قهراً وبالتعليمات .. وهذا حال القوات النظامية كلها .. التي يسير فيها دولاب العمل بالأوامر الهادئة .. وفي حال العصلجة والتراخي أو الإهمال .. فإن «ظرابين» الرئيس تظهر وتتجلى بوضوح فيلجأ إلى المحطة القصوى .. ويسري حكم القوي على الضعيف !!
المهم .. جلست إلى مكتبي مهزوماً مدحوراً عن يميني المساعد عوض حسين .. وعن يساري الرقيب أول كبير .. ومن أمامي .. الطابعان على الآلة الكاتب .. العريف عبدالله فضل المولى .. والشرطي غاندي .. ومن حولنا جميعاً .. رجال أفذاذ .. ناشطون في مجال العمل الميداني .. وعلى رأسهم العريف فضل عبدالله فضل .. والذي بلغ بكفاءته إلى رتبة العميد شرطة .. وآخرون يضيق المجال عن ذكرهم .. وقد تبدو ملامحهم في صورة فوتغرافية .. أنوي نشرها مصاحبة لهذا المقال .. وبدأت في إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين الصديق العميد «م» حالياً بشير حسن عبدالقادر .. الذي زودني بتفاصيل كثيرة عن طبيعة العمل بالقسم .. وعرفني .. بشخوص من كانوا حولي والذين لم أتشرف بمعرفتهم من قبل .. وبعد أن تم ذلك .. عكفت على قراءة التقارير وموجهات العمل والأوامر والمنشورات الصادرة .. واستوعبت الكثير .. ولكني كما يقولون «رأسي انشطب» لما علمت .. بأن عدد المعتقلين بعد الإنقلاب الشيوعي واندحاره .. قد بلغ أكثر من الف معتقل .. تم تجميعهم جميعاً في عطبرة إلا أن لجنة الأمن بادرت بإطلاق .. قرابة الثلث منهم .. شاملاً بعض النساء .. وصغار السن .. ومن حشروهم ضمن المعتقلين زوراً وبهتاناً وتشفياً .. واستغلالاً لظروف «الجوطة» .. التي جعلت بعض المايويين .. ينصبون أنفسهم حماة لمايو ... ولكن ومع كل ذلك .. فإن عدد المعتقلين .. القابعين في معسكر ضخم .. تحت إدارة سلاح المدفعية .. كان ثمانمائة معتقل وأكثر .. وكنت مطالباً باستجواب .. كل هذا الكم الهائل من العباد .. نفراً نفراً .. ومن ثم إعداد تقرير مستوفي عن كل فرد ... موضحاً أصله وفصله وسيرته الذاتية .. وملابسات اعتقاله والجهة التي اعتقلته .. وتقريرها عنه ومن ثم ملخص أقواله واستجوابه .. وفيشه وبصماته مدعوماً .. بصورة فوتوغرافية .. وجهاً .. وجنباً وأية علامات مميزة .. كالشلوخ والفصود .. وغيرها من .. طعنة سكين .. أو لطشة عكاز أو خبطة شامة .. كما جاء في مسرحية شاهد ما شفش حاجة !!
توكلت على الحي الدائم ... وبدأت في اتخاذ الإجراءات ... والتدابير .. لتنفيذ المطلوب بدقة وعلى عجل .. وكلمات .. العميد .. يحيى حسين على نور .. يتردد صداها في أذني .. موش عاوز أشوفك قدامي تاني .. ولو حسيت بأي تقصير حأملص دبابيرك !!.. ولم نقطع شوطاً يذكر في العمل .. حتى حلّت علينا مصيبتان جديدتان ... وكانت الأولى عبارة عن أورنيك ضخم .. مكون من ثلاثة عشر صفحة .. تحتوي على .. خمسة عشر بنداً .. تصر إدارة الأمن العام على ملئها من ثلاث نسخ .. عن كل معتقل .. والمصيبة الثانية .. كانت هي تصنيف كل المعتقلين حسب خطورتهم على أمن الدولة .. كمجموعة أولى .. ومجموعة ثانية ومجموعة ثالثة .. وهي التي ستبدأ لجنة أمن المديرية .. في الإطلاع عليها .. واتخاذ القرار بشأن المذكورين فيها .. باطلاق السراح أو الإبقاء في المعتقل .. أو أحياناً .. بترقية المعتقل إلى المجموعة الثانية أو الأولى !!
لقد حزنت لهذه المصيبة الثانية جداً لأنها تحمّلني مسؤولية أكبر من رتبتي وترهن مصائر هؤلاء جميعاً بكلمة مني .. وتدخلني دون أن أشعر في ورطة الاضرار بالناس ..!! وفكرت في الأمر ملياً .. ووصلت إلى قناعة بأن الأمر أكبر وأصعب مني .. وأن الأوامر .. والتعليمات لن تجدي نفعاً وأنه لا مناص البتة من استمالة .. الصف والجنود الذين يعملون معي بالمكتب والميدان وعددهم لا يتجاوز الخمسة عشر .. رجلاً .. وتحفيزهم على التعاون والعمل معي بإخلاص وتفانٍ وكأسرة واحدة .. ونجحت في ذلك نجاحاً بعيداً .. لأن الرجال كانوا في الأصل أوفياء ومخلصين للمهنة .. وبدأنا أول ما بدأنا .. في إستدعاء كل من اعتقل أو أعد تقريراً عن أي معتقل واستجوبناهـ على القسم .. عن مضمون تقريره وملابسات الإعتقال .. وتنكر الكثيرون لتقاريرهم .. أو عدّلوا فيها .. وطلع بعضها «فشنك» ساكت .. وعلى ضوء ذلك أطلق سراح .. أكثر من ثلث المعتقلين وانزاح بذلك كابوس كان يجسم على صدورنا بسبب تأنيب الضمير .. والإحساس بالمشاركة في عمل ظالم !!.. وتفرغنا بعد ذلك في إكمال الإجراءات بالنسبة لبقية المعتقلين .. وملء الأورنيك المطلوبة عنهم .. ومن ثم تصنيفهم .. في إحدى الدرجات الثلاث .. بحسب درجة نشاطهم .. وخطورتهم .. وموقعهم داخل الحزب الشيوعي .. كأعضاء اللجنة المركزية .. أو الكادر السري .. أو العضو العادي .. أو ذلك الميم نون .. أي المغفل النافع .. ومن ثم يأتي الناشطون .. ضد النظام المايوي .. من الاحزاب والفئات الأخرى .. والنقابات على وجه الخصوص !!
لقد كان هاجسنا جميعاً ونحن نعمل ليلاً ونهاراً .. لإنجاز العمل .. هو أن نبرز الحقائق والمعلومات الصحيحة القاطعة حتى لا يبقى بالحجز معتقل بريء أو حتى نصف بريء .. وكان أداء القسم على المصحف الشريف .. فيصلاً حاسماً بين ما يقال ونما لعلمنا .. وأفادت مصادرنا .. وبين تأكد لنا .. وثبت بما لا يدع مجالاً للشك .. ولكن ومع ذلك فإن بعض الشكوك كانت تساورني حول العديد من المعتقلين العطبراويين ... وهم أغلبية .. ولكن شهد شاهد من أهلهم وهو المسؤول عن أُستديو الشرطة .. والذي تستعين به على تصوير (ضيوفها الأجلاء) ويبدو أن الرجل كان شرطياً أحمراً .. أو على الأقل (مكجن) مايو والنميري .. .. فخرج بالكاميرا .. وصوّر مظاهرات الشيوعيين ومسيراتهم .. إبتهاجاً بحركة 19 يوليو التصحيحية .. تصويراً شاملاً دقيقاً أظهر كل شىء بوضوح تام .. وكان يبدو خائفاً من فعله .. بعد عودة النميري فطلبت منه .. أن يعد (البوم) بكل الصور التي التقطها ببراعة .. وطلبت منه تكبير بعضها لأقصى مقاس ممكن وفعل الرجل .. وكانت المفاجأة ظهور كل المعتقلين أمامي بصورهم .. يهتفون .. ويلوحون بالرايات الحمراء وهم هناك .. داخل المعتقل .. يتوسدون الثرى ويلتحفون السماء !!
وأضيفت .. بذلك صورة فوتغرافية بملف كل معتقل .. تقف بينة قاطعة على مشاركته الفعلية في تأييد الإنقلاب .. ومن الطرائف .. أن أحد المعتقلين .. كان رجلاً ضخم الجثة بصورة مبالغة .. إدعى بأن إعتقاله غير صحيح لأنه موش شيوعي .. ولم يقم بأي نشاط معادي يستدعي إعتقاله ...
والصورة الوحيدة التي عثرنا عليها .. كانت لقطة من الخلف .. فأنكرها أيضاً وقال ده .. ما .. أنا .. وطالب بالمثول أمام لجنة أمن المديرية .. وسقناه اليها .. وأمام اللجنة .. طلب منه أن يعمل خلف دور .. ففعل الرجل .. وعدّ أعضاء اللجنة ... عدد (النخلات) في رقبته .. فكان عددها أربعة عشر (نخلة) كما عدّوا الطبقات والحزّات فيها .. فكان عددها أربع طبقات .. مع طبقة خامسة تحت التكوين وأذنين صغيرين .. غاطستين في اللحم .. ومبادى صلعة في مؤخرة الرأس .. مضافاً اليها حجمه الهائل .. الذي حجب نصف .. المظاهرة التي كان يواجهها .. وهو يهتف .. ويلوح بالبيرق الأحمر !!.. فقال رئيس اللجنة .. يا أخونا ما في داعي للبطبطة او البتبتة .. دي صورتك ما في كلام !! قال الرجل يا جماعة يخلق من الشبه أربعين !! فقال رئيس اللجنة يا أخي أربعين زيك .. معناها مجاعة !! وعلق آخر .. يا سيد يخلق من الشبه أربعين قبلناها .. لكين ما بالطريقة دي .. أربعطاشر نخلة وأربع طبقات ..؟! ده مستحيل !!
لقد أنجزنا العمل المطلوب .. بفضل تكاتفنا وإحساسنا بالمسؤولية .. سيما وقد كنا جميعاً مايويين على السكين .. من تلقاء أنفسنا .. لا نبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورا .. وقد دفعني هذا الحماس لمايو .. والغيرة عليها .. أن قطعت من رأسي بنداً إضافياً لبنود الأرنيك الخمسة عشر الواجب ملئها عن كل معتقل وكان في شكل سؤال .. يجيب عليه المعتقل بخط يده .. ويمهره بتوقيعه ونص السؤال هو .. هل تعتقد أن حركة 19 يوليو تخريبية أم تصحيحية ؟! وأسقط في أيدي الكثيرين .. ولكن كان لكل إجابة معناها ومغزاها .. وقد وفرت أنموذجاً لخط المعتقل وتوقيعه على الأقل !! ومن الطريف أن ساقتني قدماي بعد ربع قرن الى مكتب ما .. ظل المسؤول فيه يتفحصني من رأسي الى أخمص قدمي .. ويقوم بالإجراءات المطلوبة .. ولما سلمني أوراقي .. قال لي .. يا جنابو ..عليك الله .. كان في داعي لسؤالك .. حركة يوليو .. تصحيحية أم تخريبية ؟! علىّ الطلاق سؤالك ده حارقني لي الليلة !! ثم داعبني قائلاً هسع مايو رأيك فيها شنو؟! فقلت له .. زمان شىء وهسع شىء ثاني خالص ..
لقد أنجزنا المهمة بكفاءة وسلاسة واستطعنا أن نضع بين يدي الوزارة وإدارة الأمن العام .. ولجنة أمن المديرية كافة البيانات .. مرتبة ومنظمة .. وبلغتنا الإشادات والثناءات من كل الجهات .. ومن السيد العميد يحيى حسين علي نور .. شخصياً .. والذي عبر عن ذلك كتابة .. ولم يملص «دبابيرنا»
وهدأ دولاب العمل ـ وظلت لجنة أمن المديرية .. تجتمع .. كل أسبوع وتأمر بإطلاق سراح بعض المعتقلين بناءً على التقرير الشامل الذي أعددناهـ او على ضوء .. أمور أُخرى .. خافية علينا .. وظل عدد المعتقلين يتناقص وخف ضغط العمل .. وأتجهنا لممارسة العمل العادي في حفظ الأمن والإستقرار وفي هذهـ الأثناء .. جاءنا من إدارة الأمن العام بالخرطوم النقيب أحمد موسى يحمل معلومات .. بوجود وكر شيوعي .. في مدينة عطبرة .. وتعاونت معه قوة الأمن والمباحث بالمدينة .. وجرت العديد من (التفاتيش) والمطاردات .. والبحث عن الوكر .. بغمر الأماكن المشبوهة بالمياه .. لأنها تدل على المواقع المحفورة حديثاً .. واستعمال السيخ في طعن الأرض .. حتى يتبين الموقع الهش من الصلب .. ونجحنا في ضبط أكبر وكر شيوعي في عطبرة وتم تحفيزنا جميعاً بمائة جنيه فقط لا غير .. فقال أحد ظرفاء التيم .. تأبى القروش إذا إجتمعن تكسراً وإذا إفترقن تكسرت آحاداً .. وفهم الجميع المطلوب .. وتحول الحافز لحفل عشاء (كارب) لا زالت لحظاته محفورة في الخاطر .. غنى فيها الجميع وصفقوا وعرضوا وسادها جو من المرح والنكات وطرائف المعتقلين ونوادرهم وإبداعاتهم وأشعارهم والكتابات التي ضبطت معهم وهم رهن الإعتقال .. ولا زلت أذكر أبياتاً عامية أعجبني منها .. أن لم تخني الذاكرة .. وقد مرت عليها قرابة أربعة عقود .. وأنا أكتب ما كتبت .. وما سأكتب بإذن الله (روسي) من الذاكرة .. وهي مفكرتي الوحيدة .. وهي ذاكرة غريبة .. تنسى كل شىء .. ولكنها تحتفظ بصور فوتغرافية للأحداث والمواقف في قاعها .. وتقول هذه الأبيات العامية على ذمة الذاكرة ..
يا نمر الورق كم مرة حذرناك
ما تسمع حكاوي الإفك والتلفيق
وما تبيع القضية .. بلاش
وتخون الزميل .. ورفيق
لكن كيف تحس .. تسمع
أضان خدرانة بالتصفيق !!
ولما كان المعتقلون .. يأملون في الجماهير وأن الشارع السوداني سيثور ويحطم المعتقلات ويخرجهم منها محمولين على الأعناق .. فقد إستطاع أحد المعتقلين وكان .. حارس مرمى شهير .. لفريق عاصمي مشهور .. أن يتسلق سور السجن ويطل على الشارع .. فرأى شيخاً يعرفه .. فناداه بإسمه وقال .. الشارع كيف يا عم حسن ؟!
فقال الرجل .. لا حول ولا قوة إلا بالله خلاص الجماعة جننوك يا ولدي الشارع ياهو .. قدامك .. ظلط في زفت !!


«نواصل»

__________________
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 02:22 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir