حقيقــة هي فضيحــة الضمايــر الفاســدة !!! حسن النضيف

الغربــة البكايــة !!! فتح العليم الإمام

آخر الأخبار العالمية
جديد المواضيع

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتــــدي التوثيق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-07-2011, 06:02 AM   #1
أحمد إبراهيم أبوشوك
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
الدولة: ماليزيا
المشاركات: 10
افتراضي هيلْدا جونسون (1/5): بسط السلام في السودان القصة الخفيَّة للمفاوضات التي

هيلْدا جونسون (1/5)
بسط السلام في السودان
القصة الخفيَّة للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهليَّة في إفريقيا


أحمد إبراهيم أبوشوك

شدَّ انتباهي إلى كتاب السيِّدة هيلدا جونسون المراجعة الرائعة التي نشرها الأستاذ خالد موسى دفع الله في أربع حلقات في صحيفة السوداني، بعناوين جانبية مصاحبة لعنوان الكتاب الرئيس "بسط السلام في السودان: القصة الخفية للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا"، وبدأها بـ "قصة محارب الحرية والإسلامي الحذر"، ووسع فضاءها بـ"صراع الفنان والقاضي، وهل صنعت الخصائص الشخصية لقرنق وعلى عثمان السلام؟"، ثم تساءل "هل ساهمت أحداث 11 سبتمبر في توقيع اتفاقية السلام الشامل؟"، وأخيراً عرَّج إلى "جوزيف لاقو وقصة التغلغل الإسرائيلي في جنوب السودان". لا جدال أن القراءات الثلاث الأولى كانت من صلب الكتاب موضوع المراجعة، معضدةً بتعليقات الكاتب ذات الصلة بالقضايا التي عرضها للنقاش، أما الحلقة الرابعة فصيغت في شكل حواشٍ على متون الحوار الصحافي الذي أجرته صحيفة هارتس الإسرائيلية مع اللواء جوزيف لاقو وعلاقاته السرية بدولة إسرائيل. وصبَّ في منهل هذه المراجعة التبصرة الثاقبة التي قدمها السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله عن المحاضرة التي ألقتها السيِّدة هيلدا جونسون بجامعة الأحفاد للبنات في العشرين من مارس 2011م، وعرضت فيها مفردات كتابها المشار إليه، وأجابت عن الأسئلة والتعليقات التي طرح الحضور بشأن اتفاقية السلام الشامل من حيث الصياغة، والتنفيذ، والمآلات التي أفضت إليها. وفي عاموده الصحافي بصحيفة الأحداث، قدم الأستاذ عادل الباز شذرات من "بسط السلام في السودان"، وذلك في إطار الحوار الذي دار بينه والسيِّدة هيلدا جونسون أثناء اللقاء الذي نظمه رجل الأعمال أنيس حجَّار في باخرة فاخرة على شاطئ النيل الأزرق بالخرطوم بمناسبة زيارة المؤلفة إلى السودان. وخارج السودان حظي "بسط السلام في السودان" باهتمام العديد من المؤسسات الأكاديمية، ونذكر في مقدمتها معهد كرستين مكلسن (Chr. Michelsen Institute) بمدينة بيرقن النرويجية، الذي نظم مديره، بروفيسور قونر سوربو (Gunnar Sorbo)، حلقة أكاديمية مع السيِّدة هيلدا جونسون، ناقش فيها "القصة الخفية للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا "؛ فلا شك أن اهتمام المعهد لم يكن وليد لحظة عبارة؛ لأن بروفيسور سوربو له اهتمام وثيق بقضية الصراع في جنوب السودان، وكانت له علاقة وطيدة مع زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، الراحل الدكتور جون قرنق، فضلاً عن إعداده الجيد لمنتدى بيرقن في 23-24 فبراير 1989م تحت عنوان "إدارة الأزمة في السودان". وفوق اهتمام المعهد ومديره، فإن لجامعة بيرقن كيل آخر، حيث أن المستشار الخاص للسيدة هيلدا جونسون، الدكتور شل حدنبو (Kjell Hodnebo)، من خريجي قسمها للتاريخ في النصف الأخير من عقد تسعينيات القرن الماضي، وكذلك الدكتور إندرا استينس (Endre Stiansen)، ممثل النرويج في سكرتارية إيقاد التي أشرفت على مفاوضات السلام الشامل. فلا عجب أن هذه الشواهد جميعها تؤكد أهمية كتاب السيِّدة هيلدا جونسون؛ لأنه يعكس الطرف الخفي من مفاوضات السلام الشامل التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا، وبذلك يكون الكتاب جدير بالمراجعة والتعليق من زوايا مختلفة، بعضها يرتبط الدور المحوري الذي قامت السيِّدة هيلدا جونسون، وكيف كانت جسر عبور لبناء الثقة بين طرفي النزاع؟ وما وجهة نظرها بشأن الديناميات السياسية التي حكمت مفردات التفاوض بين الأستاذ عثمان محمد طه والدكتور جون قرنق؟ وما القضايا الشائكة التي طُرحت على طاولة التفاوض وكادت أن تفضي بمستقبل السلام في السودان؟ وما الظروف السياسية المحلية والإقليمية والعالمية التي أسهمت في دفع مسار المفاوضات، حسب وجهة نظر المؤلفة، ثم أفضت في خاتمة المطاف إلى توقيع اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يناير 2005م؟ وما دور العناصر المناوئة لمخرجات الاتفاقية وانعكاسات ذلك على المشهد السياسي في الخرطوم وجوبا؟ وبناءً على هذه الأسئلة ومثيلاتها نرى أن المراجعة الشاملة للكتاب ستكون ذاته فائدة بالنسبة للقارئ السوداني الذي لم يكن في مقدوره الحصول على النسخة الإنجليزية، ومن زاوية أخرى ربما تحفِّز المراجعة الشاملة الذين كانوا طرفاً في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل أن يدلوا بدلوهم، ويوثقوا لنا الجوانب الخفية للاتفاقية التي لم تكن متاحة لمعظم الذين قاموا بتنفيذ بنودها على صعيد الواقع، والذين أكتفوا بقراءة نصوصها وتقويمها دون العلم بالمقدمات التي أفضت إلى صياغاتها النهائية، ومن ثم كانت تقويمات بعضهم أشبه بتقويم سيدنا موسى عليه السلام لمواقف العبد الصالح التي لم يحط بها خُبراً.

الكتاب والمؤلف
صدر كتاب السيِّدة هيلدا جونسون الموسوم بـ "بسط السلام في السودان: القصية الخفية للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهلية إفريقيا" في غلاف ورقي، تعلو صفحته الأمامية صورة أكفٍ لأطفال جنوبيين في ملكال تحمل رصاصات فارغة، رمزاً لمخلَّفات الحرب التي أورثت الدمار في جنوب السودان، وفي قاعدته الأمامية صورة للزعيمين الدكتور جون قرنق والأستاذ على عثمان محمد طه، وهما يرفعان وثيقة اتفاقية السلام الشامل بعد التوقيع عليها في التاسع من يناير 2005م، هكذا جمعت الصفحة الأمامية للغلاف بين النقيضين، صورة رمزية للآثار البائسة لسنوات الحرب العجاف، وأخرى للآمال المرجوة من اتفاقية السلام الشامل. وفي الصفحة الخلفية للغلاف الورقي يوجد اقتباس من تقريظ السيِّد كوفي عنان للكتاب، وبين الاقتباس وتبصرة الكتاب تبرز صورة السيِّدة هيلدا جونسون بشعرها الأشقر وثغرها الباسم، وتلي ذلك فذلكة مختصرة عن الوظائف التي تقلدتها، واسم دار النشر التي نشرت الكتاب. صدر الكتاب عن مطبعة سوسكس الأكاديمية البريطانية وأفرعها في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا عام 2011م. ويتكون الكتاب من 264 صفحة في القطع المتوسط، ابتدرتها المؤلفة بتصدير للسيد كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة السابق، وقائمة للصور المصاحبة للنص، وشكر وعرفان، ونبذة عن المؤلفة، وتنويه عن الطريقة المتبعة في كتابة الأسماء والمصطلحات العربية بالأحرف اللاتينية، والخرائط التوضيحية. وبعد ذلك قسمت المؤلفة سفرها جيدة الصِنَّعة إلى مقدمة وسبعة فصول رئيسة، أعقبتها بخاتمة أطلقت عليها الإنجازات والتحديات، ثم درجت في نهاية الكتاب الحواشي، وقائمة المعاينات والمقابلات الشخصية التي أجرتها، وفهرس الأعلام والأماكن والموضوعات المفتاحية. أما المصادر التي استقى الكتاب معلوماته منها فيعتمد جلَّها على ملاحظات المؤلفة، ومعايشتها اللصيقة لقضية السلام في السودان، والمعاينات والمقابلات الشخصية التي أجرتها مع عدد من الشخصيات البارزة التي كان لها دور في إنجاز اتفاقية السلام داخل السودان وخارجه، فضلاً عن استئناسها بأرشيف وزارة الخارجية النرويجية. وبهذه الكيفية يمكننا القول بأن "بسط السلام في السودان" مساهمة علمية أصيلة في موضوعها؛ لأن الكتاب يقوم على كمٍّ مقدرٍ من المصادر الأولية والقراءات الثاقبة والتحليلات الموضوعية للمؤلفة التي كانت على صلة وثيقة بحيثيات الاتفاقية.
وتقودنا هذه الفقرة الأخيرة إلى سؤال منهجي عن المؤلفة: مَنْ هيلدا جونسون؟ وُلدت هيلدا فرافجورد جونسون بمدينة أروشا بتنزانيا عام 1963م، وحصلت على شهادتها الجامعية في علم الانثروبولوجيا من جامعة أوسلو بالنرويج، ثم بدأت حياتها السياسية عضواً في البرلمان النرويجي عام 1993م، واستمرت عضويتها إلى عام 2001م. وإلى جانب نشاطها البرلماني عملت وزيراً لوزارة حقوق الإنسان والتنمية (1997-2000م)، ثم وزيراً لوزارة التنمية الدولية (2001-2005م)، فضلاً عن عضويتها الفاعلة في العديد من اللجان البرلمانية المرتبطة بالطاقة والبيئة، والعلاقات الخارجية، والشؤون الإفريقية، ورئاستها لمنبر أصدقاء إيقاد (الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية)، وعضويتها الاستشارية في البنك الدولي. وتثميناً لهذه الجهود منحها مركز التنمية العالمي والسياسة الخارجية بواشنطون جائرة الالتزام بالتنمية. وبعد أن خسر التحالف السياسي المكون من الحزب الديمقراطي المسيحي، وحزب المحافظين، وحزب العمال عدداً من المقاعد البرلمانية في الانتخابات العامَّة لعام 2005م فقدت أيضاً السيِّدة هيلدا جونسون منصبها في الحكومة الائتلافية الجديدة، وانتقل حزبها الديمقراطي المسيحي إلى صفوف المعارضة، ولذلك تمَّ ترشيحها إلى منصب نائب المدير التنفيذي لليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، الوظيفة التي تشغلها منذ عام 2005م. ولا مندوحة أن هذه الخبرات المتعددة وشبكة الاتصالات الواسعة كانت ضمن العوامل الفاعلة التي جعلت هيلدا جونسون خير "أجواد" لتفعيل التواصل الإيجابي بين طرفي النزاع في السودان.

لماذا كانت هيلدا جونسون وسيط ناجحاً بين المتخاصمين؟
ترتكز الإجابة عن هذا السؤال على ثلاثة محاور رئيسة. يتمثل المحور الأول في السند الدولي الذي حظيت به الوزيرة هيلدا جونسون من الحكومة النرويج التي أولت اهتماماً فائقاً لقضية السلام في السودان، وعضد ذلك الموقف الإيجابي للحكومة النرويجية رئاستها لمنتدى أصدقاء إيقاد المكون من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والنرويج، وكندا، وإيطاليا، وهولندا، وسويسرا، فضلاً عن عضويتها الفاعلة في "الترويكا" التي كانت تمثل الدول الثلاث الضامنة لاتفاقية السلام الشامل (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والنرويج). فموفق حكومة النرويج كان موقفاً مقبولاً لطرفي النزاع، بالرغم من الدعم النرويجي غير المعلن للحركة الشعبية لتحرير السودان، أما عضويتها في الترويكا فقد سهلت عملية اتصالها بالولايات المتحدة الأمريكية لتستخدم أسلوب "العصا والجزرة" لحث طرفي الصراع على الانخراط في مفاوضات جادة، والبحث عن حلول وسطى ترضي تطلعاتهما السياسية، والشاهد في ذلك الضغط الذي مارسته الحكومة الأمريكية على حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان على حدٍ سواء. ويرتبط المحور الثاني بالثقة المفقودة بين طرفي النزاع؛ لأن الصراع في جنوب السودان كان موثوقاً في كلياته بالفعل التاريخي البشري، الذي تتبلور معالمه في مجاهدات إنسان الجنوب المحارب من أجل تراثه المحلي وقسمته في السلطة والثروة، وفي تركة إنسان الشمال الذي ورث سيادة دولة السودان القُطرية المستقلة؛ إلا أنه أغفل مراعاة خصوصيات إنسان الجنوب الذي طعن بموجب ذلك في سيادة النخبة الحاكمة في الخرطوم، بذلك انهارت الثقة بين شقي القُطر الحر المستقل، وتدريجياً تحوَّل هذا الانهيار إلى حالة أزمة، ثم بلغت تلك الأزمة ذروتها في الصراع السياسي المسلح الذي جثم على صدر السودان قرابة نصف قرن من الزمان، واتسع الرتق على الراتق عندما اكتسبت الحرب الأهلية بُعداً دينياً في عهد حكومة الإنقاذ. إذاً فقدان هذه الثقة المتراكم كان يحتاج إلى طرفٍ ثالث محايد ومقبول للطرفين، ويكون في إمكانه إعادة الثقة المفقودة بينهما، وطرح القضايا المشتركة التي تصلح للتفاوض، وتكون أساساً للاتفاق المرجو. ولا غرو أن هذا الواقع قد جعل السيِّدة هيلدا جونسون أفضل البدائل المطروحة للتوسط، وتجسير الهُوة بين الخصوم. ويتمثل المحور الثالث في الإعداد الشخصي للسيدة هيلدا جونسون التي كان لديها إلمام واسع بقضية الصراع في جنوب السودان، فضلاً عن التزامها بموقف محايد بين الطرفين، وجرأتها في طرح القضايا الحساسة التي أكسبتها مصداقية عند "محارب الحرية" الدكتور جون قرنق و"الإسلامي الحذر" الأستاذ على عثمان محمد طه.
(يتبع: علي عثمان ولقاء جون قرن).
صحيفة الأحداث[/justify][/COLOR][/justify]

التعديل الأخير تم بواسطة أحمد إبراهيم أبوشوك ; 28-07-2011 الساعة 11:36 PM
أحمد إبراهيم أبوشوك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-07-2011, 02:58 PM   #2
بله محمد الفاضل
عضـــو
 
الصورة الرمزية بله محمد الفاضل
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 4,144
افتراضي

لا أنفك أعود
...



وأنتظر..


تحايا واحترام لشخصكم الكريم
__________________
الراجِلُ في غمامةٍ هارِبةْ
بله محمد الفاضل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-07-2011, 11:39 PM   #3
أحمد إبراهيم أبوشوك
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
الدولة: ماليزيا
المشاركات: 10
افتراضي هيلْدا جونسون (2/5) بسط السلام في السودان

هيلْدا جونسون (2/5)
بسط السلام في السودان
القصة الخفيَّة للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهليَّة في إفريقيا
"لقاء علي عثمان وجون قرنق، هل كان وليد صدفة أم نتاج تخطيط حاذق؟"

أحمد إبراهيم أبوشوك


عرضنا في الحلقة الأولى الإطار الهيكلي لكتاب السيِّدة هيلدا جونسون، والمصادر التي اعتمدت عليها في توثيق القضايا والأحداث التي تناولتها بالتشريح والتحليل في ثنايا نقاشها للمُسوِّغات التي أفضت إلى مفاوضات السلام، والشخصيات المفتاحية التي أسهمت في ذلك، ثم تطرقنا بعد ذلك إلى الخلفية الأكاديمية والسياسية للمؤلفة، والأسباب التي جعلتها وسيطاً ناجحاً بين الطرفين. وفي ضوء هذه التوطئة المهمة نحاول في هذه الحلقة أن نلقي ضوءً ساطعاً على الظروف السياسية التي قادت إلى لقاء الأستاذ علي عثمان محمد طه بالدكتور جون قرنق؛ لأن المؤلفة ثمَّنت ذلك اللقاء الأول الذي حدث بين الخصمين في نيفاشا في سبتمبر 2003م، واعتبرته جسر عبور في طريق المفاوضات الذي كان محفوفاً بالمخاطر السياسية ومزالق الحلول التوفيقية المطروحة؛ إلا أن القواسم الشخصية المشتركة والمتقابلة بين المفاوضين الأساسين، حسب وجهة نظرها، قد مكَّنت الطرفين من عبور ذلك الجسر بأمان، وأسهمت في وضع الصياغات النهائية لاتفاقية السلام الشامل التي تمَّ التوقيع عليها في التاسع من يناير 2009م.

لقاء علي عثمان وجون قرنق، هل كان وليد صدفة أم نتاج تخطيط حاذق؟
أوضحت المؤلفة هيلدا جونسون أن الأستاذ علي عثمان محمد طه قد سعى لفتح قناة حوار مباشرة مع الدكتور جون قرنق منذ فترة مبكرة، يرجع تاريخها إلى نوفمبر 1990م، عندما زار الدكتور كول دينق في مدينة نوروشك بإنجلترا، وبرفقته مثيان ملوال مابور، سفير السودان في رومانيا. وقبل أن يوافق الدكتور دينق على استقبال ضيفه غير المعروف لديه اتصل بالأستاذ أبيل ألير الذي وصف الأستاذ علي عثمان، حسب رواية هيلدا جونسون، بأنه "أهم شخصية في حركة الجبهة الإسلامية، والرجل الثاني الوحيد بعد الترابي، ويعمل أساساً من وراء ستار في الحكومة الجديدة". وبناءً على توصية أبيل ألير وافق الدكتور دينق على استقبال الأستاذ علي عثمان، ويقال أن اللقاء استمر بينهما لمدة ست ساعات، استعراضا فيها أبعاد مشكلة الجنوب، وكيفية التفاوض فيها، وأوضح الدكتور دينق إلى ضيفه أن الحركة الشعبية لتحرير السودان ترغب في التفاوض مع ممثل شرعي لحكومة الخرطوم بدرجة وزير. وبعد فترة من تلك الزيارة أضحى علي عثمان وزيراً لوزارة التخطيط الاجتماعي (1993-1995م)، ثم وزيراً للخارجية (1995-1998م)، ثم نائباً أول لرئيس الجمهورية (1998-2005م). وفي الفترة من 1991 حتى 2003م التقى الأستاذ علي عثمان عدة مرات بالدكتور كول دينق، وأكد له على ضرورة تنظيم لقاء مباشر مع الدكتور جون قرنق. إذاً السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كول دينق على وجه التحديد؟ يبدو أن الأستاذ علي عثمان قد أسس اختياره للدكتور دينق في ضوء معلومات استخباراتية عالية الدقِّة؛ لأن كول صديق قديم لجون قرنق، إذ ينحدر الاثنان من منطقة شمال بور، ودرسا سوياً في مدرسة رمبيك الثانوية في الستينيات، وتوثقت علاقتهما بعد أن زواج جون قرنق من ريبكا التي تربطها صلة قرابة بكول دينق، وبعد قيام الحركة الشعبية للتحرير السودان أضحى الدكتور دينق ممثلاً غير معلنٍ للحركة الشعبية في أوروبا، ومستشاراً للدكتور قرنق في كثير من القضايا السياسية، لذلك كان اختياره اختياراً مؤسساً، تبلورت حصيلته في إفادة الأستاذ علي عثمان للدكتور دينق بأنه سيحل محل الدكتور غازي صلاح الدين رئيساً للفريق المفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، فعلَّق دينق على هذه النقلة النوعية بقوله: "أنت أفضل من البشير". (ص 74). والصديق المشترك الآخر الذي قام بدور خفي في مفاوضات السلام هو الأستاذ أبيل ألير الذي تربطه علاقة ودِّ ونسب قديم مع الدكتور كول دينق، فضلاً عن صلته الوثيقة بـ"محارب الحرية" الدكتور جون قرنق، و"الإسلامي الحذر" الأستاذ علي عثمان. بهذه الكيفية استطاع النائب الأول أن ينقل نفسه من خانة الشك والرفض إلى دائرة الثقة والقبول، ويظهر ذلك جلياً من المصطلحات التي نحتها الدكتور كول دينق في محادثاته الهاتفية التي تقتضي نوعاً من السرية مع أطراف دائرة تواصله الضيقة المكونة من أبناء الدينكا في الحركة الشعبية وخارجها، فمثلاً كانوا يطلقون على الدكتور الترابي "ميت"، وتعني في لغة الدينكا الغبار، وعلى الرئيس البشير "ميور نينق نوم" أي الثورة المقيد من قرنيه"، وعلى الأستاذ علي عثمان "صديقنا". (ص 74). وعندما كانت تتعثر المفاوضات بين الطرفين في نيفاشا كان جون قرنق يستأنس برأي مجموعة كول دينق بشأن الاستمرارية في المفاوضات أو فضِّها، وكان ردَّها مجمعاً، حسب إفادة هيلدا جونسون، على أن "علي عثمان هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يحقق السلام مع الجنوب". (ص 74).

وقبل أن تأخذ هذه النقلة النوعية شكلها النهائي في التفاوض اتصل الأستاذ علي عثمان بالسيدة هيلدا جونسون هاتفياً في الواحد والثلاثين من أغسطس 2003م، وأخطرها بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وهو يرغب في إعداد لقاء سري بالدكتور جون قرنق، واقترح عليها أن يتمَّ اللقاء في نيروبي أثناء زيارته لحضور مراسم تشييع كيجانا وامالو، نائب الرئيس الكيني. وأفادت هيلدا جونسون أن جون قرنق كان متردداً في مقابلة علي عثمان؛ لأنه كان يعتقد أن الدعوة فرضها واقع التنافس بين الرئيس ونائبه الأول في الخرطوم؛ وأن الأخير ربما يحاول بهذه المبادرة أن يطرح مناورة سياسية باهظة تضعف وضع الرئيس البشير، وتحسن وضع كفَّته السياسية المائلة. وتوضح السيدة جونسون أن الاجتماع الحاشد الذي عقده أكثر من 1250 ضابطاً من قيادة الحركة في رمبيك قد ثمَّن موقف زعيم الحركة، الرافض لمقابلة النائب الأول؛ إلا أن الضغوط النرويجية والأمريكية وثلاثة من قيادة الحركة (باقان أموم، ولوال دينق، وجميس واني)، فضلاً عن محادثة كوال دينق الهاتفية، قد أقنعوا قرنق بمقابلة علي عثمان. نقلت هيلدا جونسون خبر الموافقة للنائب الأول، وأبانت أن اللقاء سيكون قصيراً، وفي حدود التحايا والمجاملات. ويبدو أن ذلك اللقاء كان محل نظرٍ بالنسبة للدائرة الضيقة حول الرئيس البشير؛ لأن المؤلفة أوضحت أن الفريق بكري حسن صالح اتصل سراً بالحركة الشعبية لتحرير السودان، واقترح عليها أن لا تقطع عهداً مع النائب الأول، ويستحسن أن تتواصل مباشرة مع الرئيس. (ص 91) وبالرغم من هذه التحوطات إلا أن السيدة هيلدا جونسون أوضحت أن اللقاء حدث في نيفاشا في الثالث من سبتمبر 2003م، وبدأ صامتاً بعد انصراف وزير الخارجية الكيني الذي قدم الطرفين، وأضحى الشاهد الوحيد على ذلك الصمت الممزوج بالحيطة والحذر قارورة الماء التي كانت ترمز للمسافة الفاصلة بين دماء الضحايا وأشواق السلام. أغتنم قرنق الفرصة، وصب الماء في كوب النائب الأول، بطريقة فيها نوع من التقدير والاحترام، إنها كانت لحظة مثيرة للعواطف، كسرت حاجز الصمت، وجعلت كليهما يضحكان، وتجاذبان أطراف الحديث. (ص 92). أن ذلك اللقاء العابر، حسب رواية المؤلفة، قد أنهى حرباً أهلية استمرت أكثر من ستة عشر عاماً؛ لأنه قد مهَّد الطريق لاتفاقية السلام الشامل، التي أُجرت مفاوضاتها الأساسية بين الزعيمين والفريقين المساعدين لهما، واتسمت في أغلب أحيانها بالسرية، والتأثير الشخصي للمفاوضين الرئيسين، والوساطة الفاعلة والصريحة التي قامت بها السيدة هيلدا جونسون، وفوق هذا وذاك الضغوط الأمريكية التي أسهمت في دفع مسار المفاوضات (ص 1-2، 91-92).
نقلاً عن صحيفة الأحداث
(يتبع: آليات التفاوض ودور الوسيط النرويجي).


التعديل الأخير تم بواسطة أحمد إبراهيم أبوشوك ; 28-07-2011 الساعة 11:46 PM
أحمد إبراهيم أبوشوك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-07-2011, 11:42 PM   #4
أحمد إبراهيم أبوشوك
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
الدولة: ماليزيا
المشاركات: 10
افتراضي هيلْدا جونسون (3/5) بسط السلام في السودان

هيلْدا جونسون (3/5)
بسط السلام في السودان
القصة الخفيَّة للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهليَّة في إفريقيا
" آليات التفاوض ودور الوسيط النرويجي"

أحمد إبراهيم أبوشوك



تناولنا في الحلقة الثانية من مراجعة كتاب السيدة هيلدا جونسون القصة الخفيَّة للقاء الأستاذ علي عثمان بالدكتور جون قرنق، وشرحنا الظروف والملابسات التي أفضت لتحقيق ذلك اللقاء، حسب رؤية المؤلفة، التي كانت وسيطاً فاعلاً بين "محارب الحرية" و"الإسلامي الحذر". وننتقل في هذه الحلقة الثالثة إلى الحديث عن دور الوزيرة هيلدا جونسون في مفاوضات اتفاقيَّة السلام الشامل لسنة 2005م، وآليات التفاوض التي استُخدمت في نيفاشا. ونسبق هذا العرض والتحليل بمقدمة موجزة عن تاريخ طريق المفاوضات الواصل بين أديس أبابا (1989م) ونيفاشا (2005م)، علها تعيننا في استيعاب دور الوسيط النرويجي الذي عرضته المؤلفة في ثنايا كتابها، والظروف السياسية التي أحاطت بمناخ تلك المفاوضات، وجعلته صالحاً لحركة الوسيط الدائبة في تسهيل عملية التفاوض، وتقريب وجهات النظر بين الرأي والرأي الآخر.

الطريق بين أديس أبابا ونيفاشا
تتبعت السيدة هيلدا جونسون المراحل التي مرت بها عملية السلام في عهد حكومة الإنقاذ ابتداءً بجولة المفاوضات الأولى والمباشرة التي عُقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في أغسطس 1989م، ولكنها لم تكلل بالنجاح؛ ثم أعقبتها الجولة الثانية في العاصمة الكينية نيروبي بوساطة الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، والرئيس الكيني دانيال آراب موي (Daniel Arap Moi)، وذلك في ديسمبر 1989م؛ إلا أنها لم تؤد إلى اتفاق بين الطرفين؛ لأن وفد الخرطوم، حسب وقائع المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس كارتر، لم يكن مفوَّضاً لاتخاذ موقف من المبادرة التي طرحها الوسيط الأمريكي، الذي اتهمته حكومة الخرطوم بالتحيز للحركة الشعبية لتحرير السودان. وفي أثناء تصاعد حِدّةُ الحرب بين الطرفين سجالاً لمدَّةِ عامين، ضعفت كفَّة الحركة الشعبية لتحرير السودان، نتيجة لسقوط نظام الحكم الماركسي بقيادة مغنستو هايل ماريام (Mangesto Haile Mariam)، وبذلك فقدت الحركة الشعبية أهم قواعدها السياسية والعسكرية في إثيوبيا؛ علماً بأن الحركة الانقلابية البديلة، بقيادة ملس زناوي (Meles Zenawi)، كانت حليفاً لحكومة السودان. وأعقب ذلك انقسام الحركة الشعبية نفسها إلى فصلين قبليين، هما فصيل توريت الأصل الذي كان يقوده جون قرنق، ويدعو إلى وحدة السودان تحت شعار السودان الجديد، وفصيل الناصر المكون من قبائل الشلك والنوير تحت زعامة رياك مشار ولام أكول أجاوين، والذي كان يدعو إلى فصل جنوب السودان عن شماله. استقلَّت حكومة السودان هذا الانشقاق، وكثَّفت عملياتها العسكرية في جنوب السودان والجبهة الإثيوبية، وشرعت في التفاوض مع جناح الناصر، الذي طالب بانفصال جنوب السودان عن شماله، متعللاً بعدم صلاحية وحدة السودان في ظلِّ توجهات حكومة الإنقاذ الوطني الإسلامية. وإضعافاً لموقف فصيل الناصر تبنت الحركة الشعبية لتحرير السودان (توريت) حقَّ تقرير المصير في إعلان توريت الصادر في سبتمبر عام 1991م، كخيار مقابل لخيار الوحدة في إطار السودان العلماني الجديد. ثم بعد ذلك بدأ حقُّ تقرير المصير يأخذ بُعداً تفاوضيّاً في اتفاق فرانكفورت في يناير 1992م، الذي أقرَّ حقَّ الجنوبيين في تقرير مصيرهم عبر استفتاء عام يُجرى في جنوب السودان بعد فترة انتقالية فيدرالية تقدر بخمسة عشر عاماً. ويبدو أن هدف الحكومة في تضمين حقِّ تقرير المصير في اتفاقية فرانكفورت يتمثل في "تعميق الانشقاق وسط الحركة، وتقديم الدعم للمنشقين"، ولا يعني أن الحكومة كانت جادَّة في طرح ذلك المطلب العصي في تلك المرحلة المبكرة من عمر المفاوضات، ويؤكّد ذلك قول اللواء محمد عبد الله عويضة، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، معلقاً على بنود الاتفاقية: "إن الاستفتاء لا يعني سوى تعزيز الفيدرالية المقترحة أو إلغائها، أما الانفصال فهو احتمال غير وارد مطلقاً بعد كلّ هذه التضحيات والدماء."

وبعد أربعة أشهر من اتفاق فرانكفورت جاءت مفاوضات أبوجا في 26 مايو إلى 4 يونيو 1992م، حيث حضرها جناحَا الحركة الشعبية، ممثلين في وفدين منفصلين، ناقشاَ مع وفد الحكومة العديد من القضايا، أبرزها قضية الدين والدولة، والنظام الفدرالي لحكم السودان، ووضعية جنوب السودان في ظلِّ النظام الفيدرالي، ولكن الطرفين لم يتوصلاَ إلى اتفاق. وعندما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود قرر وفداَ الحركة الشعبية لتحرير السودان الاندماج في وفد واحد، وطالباَ بحقِّ تقرير مصير السودان كحلٍّ جذري للأزمة القائمة بين شطري القُطر الواحد؛ إلا أن زعيم الحركة الشعبية، جون قرنق، رفض فكرة توحيد وفدي الحركة والمطالبة بتقرير المصير، الأمر الذي أفضى إلى انسلاخ مجموعة من وفده الممثل في أبوجا بقيادة وليم نيانق، وانضمامها إلى فصيل الناصر. وفي ظل هذا التناحر الداخلي سيطرت القوات المسلحة السودانية على مدينة توريت، وبموجب ذلك انفضت جولة المفاوضات الثانية في أبوجا التي عقدت في مايو 1993م دون أن يحرز الطرفان أي تقدم سياسي محسوس.

وبعد انهيار مفاوضات أبوجا الثانية في نيروبي، والإطاحة بنظام بابنجيدا في نيجيريا انتهت حلقة الوساطة النيجرية، وظهرت الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية (إيقاد) وسيطاً جديداً، وبدأت جلسة مفاوضاتها الأولى في 17-23 مارس 1994م؛ إلا أنها لم تحقق نجاحاً ملموساً، لكنها مهدت الطريق للجولة الثانية التي عُقدت في مايو 1994م، وشهدت طرح مشروع منظمة إيقاد التفاوضي، الذي عُرف فيما بعد بـ"إعلان المبادئ"؛ لأنه أمَّن على أولوية المحافظة على وحدة السودان في إطار "دولة ديمقراطية علمانية، تكفل حُرَّية الاعتقاد والعبادة لكلِّ المواطنين السودانيين"، وأقرَّ حقَّ تقرير المصير على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتي "لمواطني جنوب السودان؛ لتحديد وضعهم المستقبلي عن طريق الاستفتاء"؛ إلا أن حكومة جمهورية السودان رفضت الاعتراف بإعلان المبادئ، ولم توقع عليه إلا في 9 يوليو 1997م، بحجة أنه يدعو إلى قيام دولة علمانية في السودان، وينادي بفصل الدين عن الدولة، فيما قبلته الحركة الشعبية لتحرير السودان، واعترفت به أساساً مرجعيّاً للتفاوض.

وعندما وصل الطرفان إلى طريق مسدود، نتيجة رفض الحكومة السودانية لمقترح إعلان المبادئ الذي طرحته منظمة إيقاد تصاعدت حركة الإعلام الغربي والمنظمات الإنسانية ضدَّ حكومة الخرطوم، التي وصفها السيناتور الجمهوري، فرانك وولف (Frank Wolf)، في خطابه المؤرخ في 3 نوفمبر 1994م إلى الرئيس كلينتون بأنها في "حرب مع شعبها، وأنَّ الاقتصاد السُّوداني لمنهار، وأنَّ حياة المواطن العادي في الخرطوم لتعيسة، ولا تزال منظمة العفو الدوليَّة تصدر تقاريرها عن الاعتقالات التعسفية، وأحوال المعتقلات في جميع أرجاء البلاد." واقترح على الإدارة الأمريكية أن تقوم بوضع مُسوَّدة قرار لمجلس الأمن، يقضي بفرض حظر دولي على السُّودان، وبوقف إعادة قبول عضويَّته في صندوق النقد الدولي؛ وأن يرفض المبعوث الأمريكي الخاصّ، ميليسا ويلس (Melissa Wells)، الحديث المباشر مع الحكومة السُّودانيَّة إذا لم تُظهر الأخيرة رغبتها في احترام حقوق الإنسان، والانصياع لقوانين الحرب كما نصَّت عليها المواثيق والأعراف الدوليَّة.

وفي ظلِّ هذا الضغط الأمريكي تأزمت علاقة الحكومة السودانية مع دول الجوار الإفريقي، وتصاعد نشاط المعارضة الشمالية والحركة الشعبية إلى أن بلغ ذروته السياسية في مؤتمر القضايا المصيرية الذي نظَّمَهُ التجمع الوطني الديمقراطي في مدينة أسمرا في الفترة من 15 إلى 23 يونيو 1995م، حيث تمَّ الاتفاق على المبادئ المتعلقة بإنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان، و"تأكيد مبدأ حق تقرير المصير كحق أصيل وأساسي وديمقراطي للشعوب"، واحتج المؤتمرون بأن ممارسته ستُوفر حلاً لإنهاء الحرب الأهلية الدائرة، وتُسهل استعادة وترسيخ الديمقراطية والسلام والتنمية."

وفي الاتجاه المعاكس أولت الحكومة في الخرطوم اهتماماً بالغاً لعمليَّة "السلام من الداخل"، حيث أنها وقعت اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل 1997م مع حركة استقلال جنوب السودان بقيادة رياك مشار، والحركة الشعبية مجموعة بحر الغزال بقيادة كاربينو كوانين؛ ثم أردفت ذلك بتوقيع اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر 1997م مع مجموعة الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان-الفصيل المتحد بقيادة لام أكول أجاوين. ثم حاولت الحكومة أن تجد لنفسها مخرجاً سياسيّاً آخر بإصدار دستور جمهورية السودان لسنة 1998م، الذي كان يهدف إلى وضع خارطة طريق لتحديد معالم نظام الحكم، ومسار التحول الديمقراطي وفق رؤية الحكومة ونظام التوالي والتنظيم الذي ابتدعته.

وفي هذه الظروف العسيرة من المفاوضات وحركة المد والجزر بين أطرافها، ظهر نوع من التململ في الوسط العربي الذي شعر بهامشية دوره في المفاوضات الجارية بشأن مستقبل السودان، فضلاً عن الصراع السياسي الخفي الذي تفشى بين قطاعات التجمع الوطني الديمقراطي. وتجلت إفرازات ذلك الوقع المأزوم في المبادرة الليبية-المصرية لعام 1999م، ونداء الوطن الذي وقعه الرئيس عمر البشير مع السيد الصادق المهدي في جيبوتي في 25 نوفمبر 1999م. فلا جدال أن هذه المبادرات قد ناقشت آليات الحلِّ السياسي في السودان، وأقرَّتْ نظام الحكم الديمقراطي-الفيدرالي، وتعرضت لقضية حقِّ تقرير المصير من زوايا مختلفة، أو سكتت عنها كليّاً؛ بَيْدَ أنها لم تحقق نجاحاً ملموساً على صعيد الواقع، فكانت الكفَّة الراجحة للإدارة الأمريكية في تفعيل التفاوض بين الطرفين.

وبناءً على موقفها الراجح في دعم المفاوضات السودانية طلبت الإدارة الأمريكية من مركز الدراسات الاستراتيجيَّة والعالمية بواشنطن إعداد تصور لدعم السَّلام في السُّودان، وقد صاغ ذلك التصور فرانسيس دينج (Francis Deng)، وستيفين موريسون (Stephen Morris)، فجاءت توصياتهما بأن تتخذ الإدارة الأمريكيَّة خطوات ثنائية، تتمثل في إعادة التمثيل الدبلوماسي، وتعيين مبعوث خاصّ للسُّودان، وتعيين شخصيَّة على مستوى عالٍ تكون حلقة وصل بين الحكومة الأمريكيَّة، وحركة التمرُّد، والفصائل الجنوبيَّة. وتزامن تقديم هذا التصور مع المفاوضات التي جَرَتْ بين حزب المؤتمر الشعبي المنشق عن المؤتمر الوطني الحاكم، والحركة الشعبية لتحرير السودان، ووضعت مذكرة تفاهم لحلِّ المشكل السوداني. ويبدو أن هذه التطورات مجتمعة قد دفعت الحكومة إلى إعادة النظر بشأن علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، وكيفية دفع مسار المفاوضات مع الحركة إلى الأمام. وبدأت الخطوة الإيجابية في هذا الاتجاه بالتعاون الذي أبدته الحكومة السودانية مع الإدارة الأمريكية بشأن محاربة الإرهاب الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. واستعملت الإدارة الأمريكية في هذا الشأن سياسة "العصا والجزرة" مع الخرطوم، حيث إنها قدمت مقترحاً إلى مجلس الأمن الدولي يقضي برفع العقوبات عن السودان، وسحب اسمه من الدول الراعية للإرهاب، وفي الوقت نفسه أجاز الكونغرس الأمريكي قانون سلام السودان في 10 أكتوبر 2002م، والذي يقضي بحثّ الولايات المتحدة الأمريكية على "أن تتخذ كافّةَ الوسائل المتاحة للوصول إلى حلِّ شامل للحرب في السودان، بما في ذلك توسيع أساليب الضغط الاقتصادية والدبلوماسية على حكومة السودان، للدخول بعزيمة صادقة في عمليَّة السلام." ويبدو أن هذا الواقع قد دفع السيدة هيلدا جونسون إلى أن تعوِّل على أحداث سبتمبر وانشاق المؤتمر الوطني باعتبارهما حدثين مهمين أسهما في تعجيل عملية المفاوضات، وعضدت ذلك الزعم بقول النائب الأول: "إن الترابي لو كان في السُلطة لما تحقق السلام في الجنوب." (ص. 14)

وبناءً على خطى التوجه الأمريكي المندفعة صوب تعزيز مفاوضات السلام القائمة على إعلان المبادئ الذي طرحته منظمة إيقاد، تعاظم دور المبعوث الرئاسي لواشنطن في السودان، السيناتور الجمهوري جون دانفورث (John Danforth)، الذي قدَّم مقترحاً عمليّاً، أسهم في وقف إطلاق النار في جنوب كردفان (جبال النوبة)، ثم أردف ذلك بتقريره الشهير الذي قدمه إلى الرئيس جورج بوش في أبريل 2002م، وخلص فيه إلى "أنه يتعذر على أي طرف أن يكسب الحرب" في جنوب السودان، وإنه لا مناصَ من مسعى دولي لتحقيق تسوية لذلك الصراع. وأكَّد في ذلك التقرير أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية واقتصادية حيوية في السودان، بما يتطلب وقف الحرب، وواضح أن فصل السودان إلى شمال وجنوب هو حلّ غير واقعي لمشكلة الحرب الأهلية، ولن يقود إلى سلام مستدام. ووصى على ضرورة توفير آليات لضمان الحقوق السياسية، والدينية، والمدنية في إطار دولة موحَّدة. واقترح صياغة اتفاق شامل يقضي بإقامة دولة موحَّدة صورية في السودان، ونظامين للحكم في شمال السودان وجنوبه، مع استقلال الجنوب عن الشمال من الناحية الاقتصادية، وشؤون الحكم الداخلي، وضمان الحريتين الدينية والثقافية، والتوزيع العادل للموارد النفطية، وتقاسم السلطات بين الحكومة المركزية، والحكومات الإقليمية.

ولا شكّ أن هذا التقرير مصحوب بالنفوذ الأمريكي وأصدقاء إيقاد والترويكا، قد مهد الطريق لإجراء مفاوضات متواصلة بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، بدأت تلك المفاوضات في 17 يونيو 2002م بمشاكوس، وبرعاية الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية (إيقاد)، وسكرتاريتها التي ترأسها الجنرل لازروث سومبيّو، وعاونه في تسير دفة المفاوضات الخبير القانوني فنك هايسوم ورهط من المستشارين. وحسب رواية السيدة هيلدا جونسون، أن الدكتور غازي صلاح الدين كان رئيساً لوفد الحكومة المفاوض، والمكون من إدريس محمد عبد القادر، ويحيي حسين بابكر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب؛ أما وفد الحركة فكان تحت رئاسة الفريق سلفاكير مادريت، وعضوية نيال دينق ينال، ودينق ألور، وجيستن ياك، وسمسون كواجا، وباقان أموم وياسر عرمان اللذين انضما لاحقاً. ووصفت السيدة جونسون الدكتور غازي صلاح الدين بأنه سياسي ذكي، ومحاور بارع، لكنه لا يخطى بتأييد الدوائر الغربية، وأنه في حالة تنافس دائم مع الأستاذ علي عثمان. أما وضعه كرئيس للوفد المفاوض فلم يكن بارزاً للعلن؛ لأنه كان يقدم إرشاداته ويحدد مسار الوفد المفاوض من وراء حجاب. (ص 43-44). ووصفت مفاوضات مشاكوس بأنها كانت متعسرة؛ لأنها طرحت جملة من القضايا المحورية المرتبطة بعلاقة الدين والدولة، وحق تقرير المصير، وشكل نظام الحكم، وعزت نجاح تلك المفاوضات إلى الدور المحوري الذي قام الخبير فنك هايسوم، الذي أسهم في تنقيح النص المتفاوض عليه، وعرض بعض الخيارات المرتبطة بشكل الحكم وعلاقات الدين والدولة. وبعض حوار مستفيض واستئناس برأي القيادة السياسية في الخرطوم وزعامة الحركة الشعبية، والضغط الأمريكي خارج قاعات المفاوضات، وتوصل الطرفان إلى إجازة بروتوكول مشاكوس الذي تعبره المؤلفة نقطة انطلاق أسياسية في تفعيل مسار المفاوضات السودانية.

هيلدا جونسون ودور الوسيط النرويجي
إذا ما دور الوسيط النرويجي؟ نعنى بدور الوسيط النرويجي السيدة هيلدا جونسون، وذلك من خلال النصوص التي عرضتها في ثنايا كتابها موضوع المدارسة. فدورها يمكن أن يقسم إلى ثلاث حلقات. تتمثل الحلقة الأولى في تواصلها المستمر بين الدكتور جون قرنق والأستاذ علي عثمان؛ لأنها كانت تقوم بعرض وجهات النظر المختلف فيها، وطرح الحلول المقترحة في قبل الطرفين عندما يكون هناك احتقان سياسي في التفاوض. ويبدو أن الطرفين قد ثمَّنَا ذلك الدور؛ لأنهما درجَا على الاتصال بها للتدخل عندما تفضي المفاوضات بين الطرفين إلى طريق مسدود. ويبدو أن دورها كان موفقاً في هذا الشأن؛ لأنها التزمت جانب الحياد الإيجابي، وكانت جريئة في طرح القضايا الحساسة، واستنباط الحلول المبتكرة. وتتجلى الحلقة الثانية في دورها المحوري في الترويكا، وكيفية استثمارها للضغط الأمريكي في دفع مسار المفاوضات من الخارج، بدليل أنها ذكرت أن الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، اتصل بالرئيس البشير أكثر من عشر مرات، حاثاً إياه بدفع مسار المفاوضات، وتقديم الدعم اللازم للإطروحات المقدمة من قبل سكرتارية إيقاد. أما الحلقة الثالثة فتتبلور في التوفيق بين فصائل المتفاوضين، ويظهر ذلك جلياً عندما طُرحت قضية المناطق الثلاث، وطالب زعماء الحركة في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان بأن يعاملاَ في إطار الحلول المقدمة لجنوب السودان بما في ذلك الاستيفاء؛ إلا أن هذا الطرح واجه رفضاً صريحاً من المفاوض الحكومي الذي اعتبره خروجاً عن مقررات مشاكوس، وطرحاً يفضي إلى تفكيك دولة السودان. ويبدو أن الدكتور جون قرنق كان مقنعاً بموقف الحكومة، لكن في الوقت نفسه لا يريد أن يسْتَخِفَّ بطرح حلفائه في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، بل يريد أن يستخدمهما كرت ضعف سياسي في مفاوضاته مع الحكومة. وتجاوزاً لهذه المعضلة طلب الدكتور جون قرنق من السيدة هيلدا جونسون أن تتشاور مع الزعيمين عبد العزيز الحلو ومالك عقار، وتقنعهما بمقترح المشورة الشعبية وقسمة السلطة الذي قدمه الخبير هايسوم. وفي هذا تقول السيدة جونسون أنها التقت بالحلو وعقار، وتحاورت معهما، وأقنعتهما بقبول المقترح، ووعدتهما بدعم الحكومة النرويجية للمنطقتين، وأن الدكتور قرنق قد شكرها على ذلك المسعى. (ص 133-134).

ونلحظ من جانب آخر أن وساطة السيدة جونسون بين طرفي المفاوضات جعلتها ملمةً بكثير من الأمور السياسية التي كانت تدور خلف الكواليس، ولها انعكاساتها الموجبة والسالبة على المشهد السياسي، بدليل أنها ذكرت أن الأستاذ علي عثمان حدثها صراحة بأنه يواجه معارضة شديدة داخل حزب المؤتمر الوطني، ويتجسد ذلك في قولها: "ظل طه يغادر المفاوضات [إلى الخرطوم] في بعض الأحيان؛ لأنه يواجه معارضة حقيقية. وإن خصومه أضحوا أكثر قوة، وهددوا بإضعاف نفوذه. وأنه أخبرها أن المفاوضات في الخرطوم في بعض الأحيان تكون أكثر صعوبة من المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان." (ص 143). وتعطي المؤلفة العديد من الشواهد الأخرى التي تؤكد ذلك، ونذكر منها موقف الدكتور غازي صلاح الدين المعارض لبروتوكول الترتيبات الأمنية (ص: 115)، وتعليق الدكتور قطبي المهدي المعارض لبعض التنازلات التي قدمها علي عثمان (ص 147)، فضلاً ذلك تعليقها الساخر على سؤال الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الخارجية آنذاك، بأن تفيده بنتائج لقائها مع النائب الأول (ص 111). ولا شك أن مثل هذا السؤال فيه إشارة ضمنية بأن الأستاذ علي عثمان لم يُملِّك كل الحقائق إلى وزراء الحكومة في الخرطوم، وربما يكون لذلك الإحجام مبرراته السياسية. ولكن من زاوية أخرى نلحظ أن ذلك الواقع السياسي المأزوم في الخرطوم كان له إسقاطاته على اختيار شاغلي الحقائب الوزارية من قبل المؤتمر الوطني في حكومة الوحدة الوطنية التي تصفها المؤلفة "بحكومة الشقاق الوطني"؛ إذ أنها ترى أن تشكيل الوزارة كان فيه إقصاء مقصود للذين فاوضوا في نيفاشا، بمعنى آخر أن كفَّة المعارضين لبعض بنود نيقاشا أضحت راجحة على حساب النائب الأول الذي أمسى أسير عزلة سياسية داخل حزبه الحاكم.

(يتبع: هل كاريزمية جون قرنق وعلي عثمان كانت سبباً في نجاح المفاوضات؟)




التعديل الأخير تم بواسطة أحمد إبراهيم أبوشوك ; 28-07-2011 الساعة 11:47 PM
أحمد إبراهيم أبوشوك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-08-2011, 06:10 PM   #5
مبر محمود
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 2,355
افتراضي

تحيّاتي د.أبو الشوك..
نتابع معك توثيقياتك بإهتمام بالغ ومتعة عظيمة، وبلا شك سنأتيك لاحقاً بملاحظاتنا وبعض التساؤلات..
الي ذلك الحين كن أبداً بخير، ودائماً بيننا
مبر محمود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-08-2011, 01:00 AM   #6
أحمد إبراهيم أبوشوك
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
الدولة: ماليزيا
المشاركات: 10
افتراضي

هيلْدا جونسون (4/5)
بسط السلام في السودان
القصة الخفيَّة للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهليَّة في إفريقيا
"هل كاريزمية جون قرنق وعلي عثمان كانت سبباً في نجاح المفاوضات؟"

أحمد إبراهيم أبوشوك


عرضنا في الحلقة الثالثة من مراجعة كتاب السيدة هيلدا جونسون آليات التفاوض ودور الوسيط النرويجي، وأشرنا في ثنايا العرض والتحليل إلى بعض الأدوار الخفيَّة التي كان لها دور فاعل في قصة مفاوضات "اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م"، ومثلنا لذلك بدور مولانا أبيل ألير، والدكتور كول دينق، وأستاذ القانون الدولي فنك هايسوم، واستأنسنا أيضاً بمحورية دور الوسيط النرويجي الذي مثلته الوزيرة هيلدا جونسون؛ لأنها كانت بمثابة حلقة وصل بين الدكتور جون قرنق والأستاذ علي عثمان من طرفٍ، وأداة تفعيل لدور الترويكا والإدارة الأمريكية من طرف ثانٍ. ونحاول في هذه الحلقة الرابعة أن نجيب عن سؤال محوري طرحته المؤلفة بطريقة ضمنية في ثنايا عرضها للجوانب الخفيَّة لمفاوضات السلام، والسؤال يتبلور في الآتي: هل كاريزمية جون قرنق وعلي عثمان كانت سبباً في نجاح المفاوضات؟


هل كاريزمية جون قرنق وعلي عثمان كانت سبباً في نجاح المفاوضات؟
الكاريزما (Charisma) كلمة يونانية تعني هبة الله، أو التفضيل الإلهي، وكان استعمالها شائعاً في الأروقة الكنسية، حيث كانت تُطلق للإشادة بقدرات الروح القدس، وأول مَنْ استخدمها في المجال السياسي هو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber)، إذ قصد بها سحر الشخصية، أي الشخصية التي تمتلك قدرات هائلة في القيادة، والإقناع، وأسر الآخرين بأفكارها وقضاياها، كما تمتاز بالقدرة على جذب انتباه الغير عند الاتصال بهم بشكل أكثر من المعتاد، وتثير ولاءهم وحماسهم تجاه المشروعات التي تطرحها؛ لأنها تخاطب تطلعاتهم الذاتية، وتنشد حلول مشكلاتهم المعقدة. ويبقى الشخص الكاريزمي حياً متقداً في ذاكرة الذين أحبوه وأذعنوا له بالولاء، وفي مخيلة الذين كرهوه وناصبوه العداء. وفي العادة يكون الشخص الكاريزمي فاعلاً اجتماعياً، ونشطاً فكرياً، وطموحاً في تحقيق أهدافه، وعند هذا المنعطف يبرز عشقه للتحدي والتغيير. وإلى جانب هذه الصفات يجب أن يتملك مهارة الاستماع وحسن الإصغاء، والقدرة على الحوار والإقناع، وقراءة مشاعر الآخرين بفراسة تقوده إلى معرفة ما يهدفون إليه، فضلاً عن الصراحة في القول، والفصاحة في توصيل الفكرة التي يرمي إليها. والشخص الذي يتمتع بهذه الصفات يكون له تأثير في الآخرين الذين يجعلونه مركز قوة بالنسبة لهم، ويمنحونه حقوقاً سُلطوية عليهم؛ لأنهم يعتقدون أن لديه قدرات إدراكية سامية، تؤهله لحل مشكلاتهم وتحقق تطلعاتهم الإنسانية.
يبدو أن السيدة هيلدا جونسون حاولت أن تنظر إلى شخصيتي الدكتور جون قرنق والأستاذ علي عثمان محمد طه من هذا المنظور الكاريزمي، وتصل إلى نتيجة مفادها أن القواسم المشتركة في تركيبتيهما الشخصية، ونقاط الاختلاف الفكري بينهما كانت من ضمن الأسباب الأخرى التي أسهمت في نجاح مفاوضات السلام الشامل. لذلك نجدها تقول: "إن الاختلاف الظاهر بين جون قرنق ديمبيور وعلي عثمان محمد طه يبدو كاختلاف الليل والنهار؛ لأن دكتور جون شخص كاريزمي ومبادر، وطه شخص حذر وحَيـِيُّ في بعض الأوقات". (ص: 13). وقد أسست المؤلفة نظرتها إلى الشخصيتين وعلاقتهما بقضية السلام من ثلاث زوايا. تعكس الزاويتان والأولتان أوجه الاختلاف الفكري والشخصي بين الرجلين، إذ ترى أن علي عثمان ينطلق فكرياً وسياسياً من أدبيات المشروع الحضاري القائم على أسلمة الدولة والمجتمع، وفي المقابل يروِّج جون قرنق لمشروع السودان الجديد الذي يقوم على مبادئ الحرية، والعدالة، والمساواة، ويهدف إلى تحقيق الوحدة الطوعية، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وإنهاء التهميش بالانتقال من مجتمع الفقر إلى مجتمع الكفاية، وذلك عبر برنامج للتنمية الشاملة التي يكون هدفها الأول هو الإنسان. وبناءً على هذه المبادئ العامّة يعتقد أن حل مشكلات السودان يكمن في تعزيز السلام الشامل، وتحقيق الحرية السياسية والفكرية، وترسيخ الديمقراطية أساساً لتداول السُلطة وضبط دينامكية الحراك السياسي في السودان، ثم إعادة هيكلة دولة السودان وفق نظام جمهوري رئاسي، يقوم على فصل الدين والدولة، وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتأكيد حكم القانون، والاحتكام إلى مهنية الخدمة المدنية والقوات النظامية، ثم تطبيق الفيدرالية الحقيقة لحكم ولايات السودان المختلفة. وتوضح هيلدا جونسون أن علي عثمان يتفق مع هذا الطرح في إطار الموجهات العامَّة للمفاوضات؛ ولكنه يختلف معه في قضية فصل الدين والدولة؛ لأنه يرى من حق الأغلبية المسلمة أن تحدد طبيعة القيم التشريعية التي تستند إليها في صياغة علاقاتها الدستورية والقانونية مع الدولة والمجتمع. وعلَّنا نتفق مع هيلدا جونسون أن هذا الخلاف الإيديولوجي الجوهري المرتبط بفصل الدين والدولة بين الطرفين قد قاد إلى قيام نظامين للحكم في دولة واحدة، وعزز خيار تقرير المصير في حالة فشل الوحدة الطوعية. وقد أشار الدكتور قرنق إلى ذلك في خطابه بمناسبة توقيع الاتفاقية، إذ يقول: "إن هذه الاتفاقية تعلن بداية الجمهورية الثانية في دولة السودان الجديد، التي يكون القطر فيها للمرة الأولى موحداً وحدة طوعية أساسها العدالة، والشرف، والكرامة لكل مواطنيه بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، والعرقية، والنوعية، وغيرها. وإذا فشلت الدولة في أن تنهض لمقابلة تحدي الانتقال من السودان القديم إلى السودان الجديد القائم على حرية المواطنين ومساواتهم فإن الوحدة ستُحل بسلام واتفاق عبر ممارسة حق تقرير المصير في نهاية السنة السادسة من عمر الفترة الانتقالية." (ص 171) نعم أن جون قرنق وعلي عثمان لم يكونا مفاوضين أساسين في برتوكول مشاكوس، الذي أقر المبادئ العامة لنظام الحكم، وحسم قضية الدين والدولة، ولكنهما كانا على علمٍ تامٍ واتفاقٍ بما جاء في مقررات ذلك البرتوكول التي وقعه الدكتور غازي صلاح الدين العتباني والفريق سلفاكير مادريت، وعكساَ ذلك الموقف التقابلي خلال المفاوضات التي جرتْ فيما بعد. أما المفارقة الثانية المرتبطة بشخصية الرجلين فتتمثل في أن جون قرنق يتمتع بحدس اجتماعي عالٍ، وقدرة فنية فائقة في مخاطبة عواطف الجماهير، وبراعة في صناعة النكتة، والمواقف الطريفة، وضرب الأمثال الحية من الواقع، فضلاً عن حبه للمغامرة ومواجهة التحديات. وفي المقابل ترى المؤلفة أن علي عثمان يمتاز بالحذر، والحياء، وحب الأضواء الخافتة، وإدارة العملية السياسية والسلطة من وراء حجاب حسب خبرته في الصف الأمامي للحركة الإسلامية، وحدسه القضائي الذي يميل إلي استدارة الرأي، والتثبت، والتأني، وحسن الاستماع إلى الآخر، وعدم التعجل في إصدار الأحكام. وتقف بين هذين المؤهلين المتقابلين أيديولوجياً وشخصياً الصفات المشتركة بينهما، التي يمكن أن نجملها من سرد المؤلفة التفصيلي في القدرة الهائلة على إدارة الحوار، والإلمام الواسع بالموضوعات المطروحة للنقاش، والشجاعة في اتخاذ القرار المناسب.

لكن يبدو أن هيلدا جونسون كانت تعتقد أن البُعد الكاريزمي الذي أسهم في صياغة الاتفاقية ربما يصعب توفره في مرحلة التنفيذ المرتبط بتطبيق متطلبات الوحدة الطوعيَّة الجاذبة على صعيد الواقع، وهنا استأنست برأي السيد أبيل ألير، مؤلف كتاب (التمادي في نقض المواثيق والعهود)، ووصلت إلى نتيجة مفادها أن أطروحة السودان الجديد التي ينشدها جون قرنق يصعب تنفيذها في ظل التحديات الماثلة في الشمال والجنوب، وأن أهل الجنوب سيفضلون الانفصال. (ص: 12). لكنها في الوقت نفسه وثقت لرأي الأستاذ ياسر عرمان الذي يرى أن بديل قرنق الآخر في حالة فشل مشروع السودان الجديد هو أن يبسط سيطرته علي الجنوب، وأن يكثف تأثيره على الشمال حتى يتمكن من إحداث التحول المنشود من الداخل.
لكن هذا الحذر المشوب بالشك لم يقدح في اعتقاد هيلدا جونسون في قدرة الزعيمين جون قرنق وعلي عثمان في صناعة السلام في السودان، بدليل أنها ثمنت ضرورة تسلمهما لزمام المفاوضات في مشكلة دارفور التي ألقت بظلالها الكثيفة والسالبة على تنفيذ الأعمال الإجرائية المرتبطة باتفاقية السلام الشامل. وبعد أن حصلت على موافقة الطرفين، أقدمت الوزيرة النرويجية على خطوة جريئة، تمثلت في دعوتها إلى السيد أسياسي أفورقي، الرئيس الأرتيري، ليُسهم في حل مشكلة دارفور؛ لأنه كان على صلة بالفصائل المعارضة، وحسب روايتها، أن أفروقي وافق على تلك الدعوة، واقترح عقد لقاء ثلاثي بينه وجون قرنق وعلي عثمان؛ لحل القضايا العالقة بين البلدين، والإسهام في حل مشكلة دارفور. في إطار التوجه نفسه اتصلت السيدة جونسون بفصائل المعارضة الدارفورية، وزارت دارفور، ووقفت على بعض مشاهد الصراع وأثارها المادية والمعنوية. لكن يبدو أن ضمور إلمامها بطبيعة التضاريس السياسية في الخرطوم تجاه مخرجات اتفاقية السلام الشامل، وموقف الخرطوم من أسمرا، والسيناريوهات المحلية والإقليمية التي كانت تحكم حركة الصراع في دارفور لم يعنها في القيام بدور ناجح في مفاوضات دارفور، كما فعلت في اتفاقية السلام الشامل.

وبعد هذه المجاهدات قررت هيلدا جونسون أن تأخذ إجازتها السنوية بالسويد، وقبل أن تكتمل تلك الإجازة رنَّ هاتفها الجوال، وأفادها المتحدث من الطرف الآخر بأن الطائرة التي كانت تغل جون قرنق، النائب الأول لرئيس الجمهورية، في رحلة عودته من أوغندا إلى السودان قد ضلت طريقها. وفي ظل تلك الظروف العصبية كانت هيلدا جونسون في حالة اتصال مستمر مع بعض الجهات الأمريكية التي يمكن أن تساعد في إنقاذ الموقف إلى أن وصلها الخبر اليقين من ثيودروس داقني في واشنطون دي سي بأن الطائرة قد تحطمت، وأن كل الذين كانوا على متنها قد فارقوا الحياة الدنيا. وتقول هيلدا: وعندما سمعتُ هذا النبأ المحزن "انهرتُ وبكيتُ، وأدركتُ أن هذه الكارثة لم تكن موت صديق وقائد فحسب، وإنما سيكون لها نتائج مهمة في مستقبل السودان". ثم تمضي في السرد، وتقول: "هاتفتُ ريبكَّا ووجدتها متماسكة ورابطة الجأش، وهاتفتُ علي عثمان الذي كان يبدو في حالة ذهول من الصدمة"، وودعتُه على أمل أن أراه في مراسم تشييع النائب الأول، لكنه رد عليَّ بقوله: "إنه سيكون في الخرطوم، وإن الرئيس البشير سيذهب إلى جوبا لحضور مراسم التشييع". (ص: 198). وبذلك انهار البُعد الكاريزمي الأول في اتفاقية السلام الشامل، وأضحت عملية تنفيذها على صعيد واقع، حسب رؤية الراحل جون قرنق، من المستحيلات، ولذلك مال حدس المؤلفة تجاه انفصال جنوب السودان، مع بقاء بعض الأسئلة الحائرة: كيف سيتمُّ الانفصال؟ وما المخاطر الكامنة وراء هذا الإجراء؟ وكيف سيكون شكل العلاقة بين الخرطوم وجوبا؟

(يتبع: الحلقة الخامسة: الإنجازات والتحديات والسيناريوهات المتوقعة)
أحمد إبراهيم أبوشوك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-08-2011, 12:11 PM   #7
حافظ اسماعيل احمد
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: السودان - شندي
المشاركات: 1,287
افتراضي

يا دكتور سلامــــــــات 5/5

هيلــــــدا جونسون مازالت راعية السلام والتعايش في السودان في يوم 12/ 8 /2011قامت برعاية مؤتمر التعايش السلمي بين الدنيكا والمسيرية في منطقة وار وار ولاية شمال بحر الغزال - وأمن المؤتمر علي ضرورة عدم تأثر العلاقة بين الدنيكا والميسرية بما يجري بين الخرطوم وجوبا -
__________________
الأرادة تهـــــــزم المستحيــل مالم يكن من المعجــــزات
حافظ اسماعيل احمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-08-2011, 01:05 AM   #8
أحمد إبراهيم أبوشوك
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
الدولة: ماليزيا
المشاركات: 10
افتراضي

هيلْدا جونسون (5/5)
بسط السلام في السودان
القصة الخفيَّة للمفاوضات التي أنهت أطول حرب أهليَّة في إفريقيا
"الإنجازات والتحديات والسيناريوهات المتوقعة "


أحمد إبراهيم أبوشوك



تناولنا في الحلقات السابقة كتاب السيِّدة هيلدا جونسون بالعرض والتحليل، حيث ناقشنا المُسوغات التي أفضت إلى مفاوضات السلام الشامل التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا، وطبيعة مسارات تلك المفاوضات وإشكالياتها السياسية والإجرائية، ودور الوسيط النرويجي الذي كان حلقة وصل بين الطرفين. وفي هذه الحلقة الخامسة والأخيرة نتطرق إلى الإنجازات التي حققتها اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م من وجهة نظر المؤلفة، والتحديات التي واجهت تنفيذها على صعيد الواقع، ثم السيناريوهات السياسية المتوقعة في حالة تقرير مصير جنوب السودان. ثم ختمنا ذلك بتقويم لمادة الكتاب في ظل الرأي والرأي الآخر.


الإنجازات والتحديات والسيناريوهات المتوقعة
تعتقد السيِّدة هيلدا جونسون أن اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م كانت إنجازاً لا نظير له في تاريخ السودان المعاصر؛ لأنها استطاعت أن تنهي أطول حرب أهليه في إفريقيا، وتمهد الطريق لقيام سودان جديد، أساسه الحرية، والديمقراطية، والعدالة في توزيع الثروة، والمساواة بين السودانيين دون تمييز يقوم على انتماءاتهم العرقية، أو الدينية، أو الثقافية. فضلاً عن ذلك فإن شمول الاتفاقية، حسب وجهة نظرها، لا يتجسد في تمثيل الأطراف التي اشتركت في المفاوضات، لكنه يتجلى في صلاحيتها إطاراً جيداً للتفاوض مع المجموعات المعارضة الأخرى في دارفور وشرق السودان. وبالرغم من هذا التفاؤل المنبسط عبر صفحات كتابها؛ إلا أنها تسرد جملة من التحديات التي واجهت تنفيذ الاتفاقية على صعيد الواقع، والتي يمكن أن نلخِّصها في النقاط الآتية:

أولاً: ترى المؤلفة أن وفاة جون قرنق كانت من أكثر الأسباب التي أسهمت في تعذر تطبيق الاتفاقية على الوجه الأمثل، فضلاً عن أنها أثرت على وضع الطرف المفاوض الرئيس، الأستاذ علي عثمان، الذي انسحب تدريجياً من المسرح، بعد أن صعد نجم خصومه السياسيين في المؤتمر الوطني، الذين لم يكونوا على وافق مع مخرجات الاتفاقية المرتبطة بتقسيم الثروة، والترتيبات الأمنية، والمناطق الثلاث (أبيي، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق). واستشهدت المؤلفة في هذا الشأن بضعف تمثيل الذين فاوضوا في نيفاشا في حكومة الوحدة الوطنية؛ لأن ميزان القوى بين البشير وطه، حسب زعمها، قد أضحى راجحاً لصالح المعارضين الذين يتقدمهم الدكتور نافع علي نافع، الذي ظهر في عباءة الرجل القوي الجديد في النظام، والذي يقال عنه أنه مهندس حكومة الوحدة الوطنية، أو الشقاق الوطني كما تسميها المؤلفة. (لمزيد من التفصيل انظر، ص: 201-205).



ثانياً: إن التصعيد العسكري والاهتمام الإقليمي والعالمي الذي حظيت به مشكلة دارفور قد أثر تأثيراً فاعلاً على تنفيذ الاتفاقية، فضلاً عن أن الصراع في دارفور قد أزَّم العلاقة بين طرفي الاتفاقية، عندما اتهمت الحكومة الحركة الشعبية لتحرير السودان بدعم المتمردين في دارفور، والتواصل معهم سراً دون مراعاة لحرمة للاتفاقية القائمة بين شريكي نيفاشا.
ثالثاً: إن الدول المانحة لم تف بالتزاماتها المالية تجاه تنفيذ الاتفاقية، الأمر الذي كان له انعاكساته السالبة على تطوير البنية التحتية بالنسبة للمناطق المتضررة من الحرب، واستشهدت المؤلفة في ذلك بالعديد من المقابلات الشخصية التي أجرتها مع بعض المواطنين بشأن الإنجازات التي حققتها اتفاقية السلام الشامل. ونذكر على سبيل المثال تعليق امرأة في يامبيو رداً على سؤال طرحته المؤلفة بشأن إحلال السلام: "إننا سمعنا بالسلام، لكن السلام لم يوضع موضع التنفيذ؛ لأن مشكلاتنا لا تزال القائمة، فمثلاً لا يوجد تعليم، وصحة، وفلوس"؛ وعلَّق رجل آخر في منطقة الفونج جنوب النيل الأزرق على السؤال نفسه، بقوله: "كل شخص يرغب في العودة، لكن الشيء الوحيد الذي يمنعهم هو عدم وجود المدارس، والمستشفيات، والعديد من النواقص الأخرى." (ص: 209). وتضيف المؤلفة إلى هذه الأسباب ضعف المؤسسات الحكومية في جنوب السودان، وقلة الكفاءات المهنية المؤهلة، وتفشي الفساد والمحسوبية على حساب التنمية الشاملة.

إذاً في ظل هذه الظروف البائسة ما السيناريوهات التي توقعتها المؤلفة؟ توقعت السيِّدة هيلدا جونسون انفصال جنوب السودان عن الشمال؛ لأن الوحدة الوطنية من وجهة نظرها لم تكن جاذبةً لتقنع الجنوبيين بالتصويت لصالحها، علماً بأن الاستطلاع الذي أُجري في سبتمبر 2009م، يؤكد بأن السواد الأعظم من الجنوبيين سيصوتوا لصالح الانفصال؛ لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً إجرائياً يرتبط بمواعيد الاستفتاء ونتائجه، وتقول أن أي تأجيل في مواعيد الاستفتاء دون مبررات موضوعية سيفضي إلى إشعال فتيل الحرب؛ وإذا كانت نتيجة الاستفتاء لصالح الوحدة، سيطعن الجنوبيون في صدقيتها، ويعتبرونها مزورة، الأمر الذي سيؤدي إلى اشتعال الحرب مرة أخرى. وتضيف إلى هذه المشكلات القضايا العالقة، مثل ترسيم الحدود، والاستفتاء في منطقة أبيي، والمشورة الشعبية في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والاتفاقيات المرتبطة بالبترول وخطوط الأنابيب، وتعتبرها جميعاً بؤر لاندلاع الحرب بين الجنوب والشمال، إذا لم تتمَّ تسويتها بتراضٍ بين الطرفين. والسيناريو بعيد المنال في نظرها هو إجراء الاستفتاء بسلاسة وشفافية، وحل القضايا العالقة بأسلوب حضاري، والاعتراف بدولة جنوب السودان، إذا كانت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال، ثم تأتي بعد ذلك مسألة علاقة الجوار الحسن، القائم تبادل المنافع، وحرية حركة البضائع والناس، وإقرار حق المواطنة المزدوجة.


تقويم الكتاب
علنا نتفق مع السيِّد كوفي عنان أن كتاب السيِّدة هيلدا جونسون عبارة عن رحلة ممتعة على بارجة المفاوضات السودانية التي استمرت في الإبحار لمدة ستة عشر شهراً بين أحلام الرسو على سواحل السلام المستدام، والخوف من الضياع في عباب البحر، تحت قيادة ملاحيها الدكتور جون قرنق والأستاذ علي عثمان محمد طه، وكانت المؤلفة تمثل حلقة وصل بين طرفي التفاوض، وبين أصدقاء إيقاد والترويكا، وبين الجهات الفنية المهتمة بتيسير آليات التفاوض. إذاً هذا الموقع الوسط مكَّنها من أن تقدم القصة الخفيَّة لمفاوضات السلام السودانية التي أنهت أطول حرب أهلية في إفريقيا، وإلى جانب موقعها الوسط الذي أهلَّها لمعرفة كثير من الجوانب الخفيَّة للتفاوض، استخدمت المؤلفة حسها الأكاديمي، الذي مكنها من إجراء العديد من المعاينات، والمقابلات الشخصية، والحوارات الجماعية التي أضافت أبعاداً أخرى للقصة الكاملة التي روتها بشأن المفاوضات، والعناصر الخفيَّة التي كانت مؤثرة في دفع مسار الحوار بين الطرفين، ونذكر منها دور الأستاذ أبيل ألير، والدكتور كول دينق، والخبير القانوني فنك هايسوم الذي أسهم في عملية العصف الذهني التفاوضي، وتقديم المقترحات البديلة من واقع خبرته الواسعة في مجال القانون الدستوري وحل النزاعات المشابهة.

لكن هذا التقريظ لكتاب الوزيرة هيلدا جونسون وموقفها الإيجابي من اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م لا يمنعنا من القول بأن بعض بنود الاتفاقية كانت محل نظر عند رهط من السياسيين والأكاديميين الذين تختلف قراءاتهم لبنود الاتفاقية والنتائج المرجوة منها مع المسوغات التي طرحتها المؤلفة والنتائج التي توصلت إليها. ويمكننا أن نجمل تلك القراءات المؤيدة والمخالفة في ثلاثة محاور رئيسة. يتبلور المحور الأول منها في موقف أولئك الذين يرفضون الاتفاقية جملة وتفصيلاً، ويعتبرونها مخططاً أمريكياً لفصل جنوب السودان، ويحمِّلون النائب الأول لرئيس الجمهورية وفريق "الحيران" المفاوض معه وزر كل التنازلات التي قدموها بشأن قسمة السلطة والثروة، والترتيبات الأمنية، وبرتوكولات المناطق الثلاث، وإقرار حق تقرير المصير لجنوب السودان، وقد أشار إلى ذلك الدكتور عبد الرحيم عمر محيي الدين في كتاب الموسوم بـ مشاهد وشواهد على الانتخابات الأخيرة في السودان، يناير-أبريل 2010م: أضواء على الفخ الأمريكي في نيفاشا وميشاكوس، الخرطوم: شركة دار كاهل للدراسات والطباعة والنشر المحدودة، 2010م. ونجد أن أصحاب هذا الرأي أكثر انتشاراً في صفوف الحركة الإسلامية، وإذ يعبِّر عن موقفهم الدكتور عبد الرحيم عمر الذي يرى أن "نقطة الضعف المركزية" في اتفاقية السلام الشامل (مشاكوس ونيفاشا) تكمن في "فقر الخبرة لدي المفاوض السوداني، التي تسلل عبرها الغربيون نحو الحلم القديم الجديد لقيام دولة إفريقية كنسية في جنوب السودان، ذلك الحلم الذي كان يراود الإنجليز منذ إصدار قانون المناطق المقفولة في عام 1922م، ومنذ أن بدأ القيس كمبوني تأسيس مؤسساته التبشيرية في جنوب وشمال السودان. إن فقر المفاوض السوداني الذي ذهب بقوة الحزب، وليس قوة الخبرة والدراية هو الذي أضاع الجنوب، ومن ثم أضاع السودان، فالذي وقِّع على اتفاقية مشاكوس لم يكن أستاذاً في العلاقات الدولية، ولا سفيراً في الأمم المتحدة، بل كان ناشطاً في الحركة الإسلامية، وأستاذاً لمادة الكيمياء الحيوية، وكذلك صنوه الذي وقِّع نيفاشا يحمل بكالوريوس القانون، وكان ناشطاً في الحركة الإسلامية حتى داخل الحركة الإسلامية كان مهموماً بأمرها الداخلي التنفيذي، وعندما أصبحاً وزيراً للخارجية تأزمت علاقات السودان الخارجية مع كافة دول الجوار". (ص: 42). ولكن يبدو أن المناصرين لهذا الرأي لم يأخذوا في الحسبان ما دار داخل أروقة المفاوضات، ولم يكونوا ملمين بطبيعة التواصل الذي كان جارياً بين الخرطوم والفريق المفاوض في مشاكوس ونيفاشا، فالنظرة الكلية لمجاريات التفاوض تحتم على هؤلاء أن يحمِّلوا النظام بصفة تضامنية مسؤولية الإخفاق في المفاوضات دون أن يلقوا عبء اللائمة على الأفراد الذين فاوضوا بالنيابة الحكومة. فكتاب هيلدا جونسون يوضِّح طرفاً من هذه الجوانب الخفيَّة في اتفاقية السلام الشامل التي كانت غائبة عن أصحاب هذا الرأي الذين أطلقوا بعض الأحكام الفردية على الشريحة المفاوضة نيابة عن الحكومة؛ لأنهم ذهلوا عن أهمية مقاصد الظروف السياسية والعسكرية التي كانت محيطة بمناخ المفاوضات، ولم يصطحبوا معهم فرضية القواعد الذهبية في السياسة التي تقضي بضرورة تقويم النتائج في ضوء المعطيات الموجودة على صعيد الواقع. ولا شك أن موقف هؤلاء يشكك فيما ذهبت إليه الوزيرة هيلدا جونسون بأن الأستاذ علي عثمان كان محاوراً لبقاً، وصاحب رؤية ثاقبة بشأن القضايا الخلافية، وكان يصطحب دائماً الرأي الراجح في الخرطوم.
ويتمثل المحور الثاني موقف الذين ناصروا اتفاقية السلام الشامل في إطارها العام، وعَدُّوها خطوة مهمة تجاه تفكيك حكومة الإنقاذ الوطني ومؤسساتها الشمولية، وبناء سودان جديد، أساسه الديمقراطية، والحريات العامة، والمساواة بين مواطنيه، ويمثل موقف هؤلاء قول الدكتور منصور خالد: إن "بروتوكولات نيفاشا هي المحاولة الأولى لمخاطبة جذور المشكل السوداني مباشرة، لهذا فهي تمهد الطريق لديمقراطية مستدامة بصورة غير مسبوقة. وقد كان التجمع الوطني الديمقراطي أميناً وشجاعاً عند ما قرر في الاجتماع الأخير لهيئة قيادته 14-22 يوليو 2004 أن بروتوكولات السلام الموقعة بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية توفر أساساً لإعادة هيكلة البناء الوطني الواحد، على أسس جديدة تختلف عن الأسس القائمة منذ فجر الاستقلال. أسس تراعي الاستجابة الواسعة لمتطلبات الإقليم في الحكم اللامركزي، والمشاركة في السلطة والتنمية."

ويتجلى المحور الثالث في موقف أولئك الذين أقرّوا ما جاء في الاتفاقية السلام الشامل، ولكنهم بخسوا صفتها الثنائية البعيدة عن الشمول، التي جعلت السلطة حكراً وقسمةً بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان دون مراعاة عادلة لقسمة بقية القوى السياسية الأخرى. وينادي أصحاب هذا الموقف بتكوين حكومة قومية من القوى السياسية كافة؛ لتعيد تثفيف القضايا الخلافية في الاتفاقية، وتشرف على تنفيذها على صعيد الواقع. ومن أكثر المناصرين لهذا الموقف حزب الأمة القومي، والاتحادي الديمقراطي الأصل.

إذاً هذه المواقف المتباينة تجاه اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م تقودنا إلى القول بأن كلما توصلت إليه السيِّدة هيلدا جونسون من أحكام ونتائج بشأن المفاوضات السودانية لم يكن محل إجماع عند أهل الرأي السياسي في السودان، لكن هذا التباين في الرأي لا يقدح في قيمة تلك الأحكام والنتائج؛ لأنها أُسست في ضوء معطيات ومقدمات تختلف عن منطلقات أهل السياسة وحساباتهم المستقبلية، فضلاً عن ذلك فإن المؤلفة استطاعت أن توثِّق طرفاً مهماً من حلقات القصة الخفيَّة للمفاوضات، التي دارت خلف كواليس منتجعي مشاكوس ونيفاشا بكينيا، بعيداً عن أعين المواطن السوداني، وعدسات القنوات الفضائية، وأقلام الصحافة المحلية. هل هذا التعتيم الإعلامي كان هدفاً في حدِّ ذاته لإجراء المفاوضات في مناخ معافاً من المزايدات السياسية والتطفيف الإعلامي، أم جزءاً من خيوط مؤامرة كانت تُنسج في الخفاء، بمغازل أجنبية ذات أهداف استراتيجية ترمي إلى تقسيم السودان، كما يزعم بعض المحللين السياسيين؟ لا نعتقد أن حيز هذا المقال والمعلومات المتوفرة في هذه اللحظة كافية للإجابة الموضوعية عن هذا السؤال المحوري، بل نترك الإجابة لمستقبل الأيام القادمة التي ربما تكشف الحجب عن كثير من القضايا المسكوت عنها.

أحمد إبراهيم أبوشوك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-08-2011, 04:45 PM   #9
حافظ اسماعيل احمد
عضـــو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: السودان - شندي
المشاركات: 1,287
افتراضي

حتما ستكشف الايام خفياها
ماهو دور اكاديمي الحركة الاسلامية و منظريها
علي راسهم الدكتور حســـــــن مكي الخبير الاستراتجي

الحركة الاسلامية كانت علي علم بالنفصال وسعت اليه في 1991 لتبنيها
التفاض مع فصيل الانفصال ودهسه فصيل توريت
فما هي المسرحية التي لعبها المؤيمر الوطني للتباكي واللهث خلف الوحدة

ودمـــــــــــت كريما
__________________
الأرادة تهـــــــزم المستحيــل مالم يكن من المعجــــزات
حافظ اسماعيل احمد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:14 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir