عرض مشاركة واحدة
قديم 13-05-2006, 08:48 PM   #[42]
imported_خالد الحاج
Administrator
الصورة الرمزية imported_خالد الحاج
 
افتراضي

(2)

محجوب شريف ودخولي الحبس الإنفرادي للمرة الأولى
من بعد ظهر يوم في أغسطس 1971 فتح باب السراي وصاح الرفاق محجوب شريف، أسرعنا جميعا من كل العنابر لنستقبل محجوب معتقدين أن محجوب شريف قد تم تحويله من قسم المدرسة إلى السرايا، بينما الجميع يعانق ويسلم، قال محجوب أنه أتى من زيارة ويبدو أنهم أدخلوه خطأ، فقاده بعض الزملاء لعنبر 7 في الطابق الأول من السراي وألتف الجميع ولكن الفرحة لم تتم فسمعنا الصفارة وقالوا تمام ولكن الوقت كان مبكرا للتمام فالسجن يقفل في حوالي الرابعة بعد الظهر.
نزلنا جميعا لنصطف للتمام فإذا بشاويش السر ينادي محجوب ويصطحبه خارجا به من السرايا تاركنا مصطفين خمسة خمسة في إنتظار التمام. كانت ظهيرة أغسطس حارة تحرق وقفنا ووقفنا ولم يأت التمام فقررنا العودة لعنابرنا. وما أن إستقر بنا المقام حتى سمعنا الصفارة مرة أخرى، فنزلنا غاضبين، وأصطففنا من جديد خمسات للتمام وجاء شاويش السر وأخذ التمام فتصديت له متسائلا لم تركنا نقف لنصف ساعة من قبل بينما هو كان يريد محجوب شريف فأحتد معي ورددت عليه بنفس الحدة قائلا ينبغي أن يحترمنا كبشر ويجب ألا يتركنا نقف تحت الشمس لنصف ساعة فطلب خروجي للمكتب. والشاويش السر (الذي ترقى بعد ذلك لصول) هو من عساكر السجون الذين إنضموا للإتحاد الإشتراكي وكان يعرف بيننا بأنه من عناصر مايو المخلصين. وعند خروجي للمكتب قدمت للضابط النبطشي وكان خريجا جديدا وهو أول دفعته إسمه أبنعوف، فتحدث معي في لغة جافة سائلا لماذا أعمل مشاكل، فقلت له يبدو أنك وصلت لحكمك قبل أن تسألني ما حدث؟ فقال متهكما "انت مفتكر نفسك وين؟ في محكمة مدنية؟ إنت هنا في سجن والعسكري دائما صحيح وإنت بتحاول تحرض المعتقلين" قاطعته قائلا "هذا غير صحيح!" فقال هائجا "ما تتكلم إلا أذن ليك إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك شنو؟" فأستفزني ذلك فقلت "يعني حتعمل أيه؟ حتوديني الزنازين يالا وديني" فقال هائجا "ما حتشوف الشمس أبدا" فقلت ليه، وقد استعدت هدوئي فجأة "إنت فاكر نظامك ده حيقعد إلى الأبد" فصاح في هياج "أرميه في زنازين الإعدام" فأخذوني في رتل من العساكر كأني مجرم حرب إلى زنازين الإعدام وطلبوا أن أخلع نعلي قبل الدخول ثم أغلقوها وذهبوا. وفد إلتقيت الضايط أبنعوف بعد ذلك وتذكرنا تلك الحادثة وضحكنا كثيرا.
كانت زنازين الإعدام مجاورة للمشنقة وهي زنزانتان يحول لهم المحكوم بالإعدام قبل 24 ساعة من إعدامه وتوجد بالقرب منهم غرفة كبيرة بها ماسورة مياه تستعمل لغسيل الأموات وهي من الزنازين القلائل التي تفتح شرق و شباكها يطل غربا، بمعنى أن الشمس تدخلها طوال النهار (الزنازين الأخرى التي تفتح شرق غرب هي زنازين الشرقيات وهي مجموعة من عشرين زنزانة في صفين يفتحان على بعضهما وبينهم حوش ضيق كنا نسميه حوض السباحة وقد عشت في تلك الزنازين مرات عديدة كما ستجد في هذه الذكريات في مكان آخر)
قضيت الليل نائما كما لم أنم منذ دخولي المعتقل وصحوت على صوت الباب يفتح للتمام والعسكري ينقر على زنزناتي حتى أنهض فيتأكد أنني ما زلت حيأ، وكان السجن يفتح في الغالب بواسطة الصول لوج (وهو شخصية مدهشة سأحدثكم عنها) وبلوك أمين السجن (وهو عسكري كاتب وكان إسمه عبد اللطيف وهو شخص مهذب ولطيف) وشاويش القسم فلكل قسم شاويش مسؤول عنه (وكان القسم الشرقي هو الوحيد الذي يديره أمباشى أو عريف هو أمباشى سيداحمد والذي ترقى لشاويش بحكم معاملته القاسية للمعتقلين ولكنه كمعظم من في كوبر تحسنت معاملته عندما تكرر تردد المعتقلين).
وبعد إنسحاب تيم التمام جاءني عسكري القسم وكان إسمه "عجب سيدو" وكنت أناديه "عم عجب". جاء عم عجب وهو يحمل شاي في كورة (والكورة كما قال أستاذنا الكبير محمد محجوب شورة هي أعظم إكتشاف في السجون ففيها تأكل وتشرب الساخن والبارد) وفتح لي الباب وطلب مني أن أذهب للحجرة المجاورة لغسل وجهي وعندما غسلت وجهي ناولني كورة الشاي فأعتذرت شاكرا أنني لا أشرب الشاي فلامني قائلا في هذا الجو الممطر (وكانت المطرة قد نزلت مساءا وما زال هناك بعض الرزاز) لا بد لي أن "اتقوى بشئ ساخن" فلما رفضت قال بحزم "حرم تشربه" فنزلت عند رغبته وأخذت الكورة منه وسألته "الجماعة ديل كانوا هنا" فقال دون أن يسأل من أقصد "نعم" فقلت حضرتهم كلهم فقال "لا أنا حضرت الشفيع فقط الله يرحمه" فقلت كان كيف؟ فقال ورنة حزن في صوته "عايزو يكون كيف يا والدي راجل حياته كلها بيعمل البيعمل فيه تفتكر ما توقع موقف مثل هذا" ثم دمعت عيونه وأسرع خارجا دون أن يغلق زنزناتي وعاد بعد خمس دقائق بعد أن تماسك نفسه وأخذ الكورة وأغلق الزنزانة.
وحوالي العاشرة صباحا جاء عم عجب ليصطحبني للمكتب ووجدت أمباشي سيدأحمد في إنتظاري عند بوابة الشرقيات وصرف عم عجب وأخذني هو لمكتب حكمدار السجن وكان العقيد البشير مالك وكان يقف إلى جانبه الملازم أبنعوف فطلب مني البشير أن أحكي ما حدث ثم قال لي خطبة عن طاعة التعليمات في السجن وأبلغني قراره بحبسي أسبوعين في الحبس الإنفرادي. فعدت إلى زنزانتي لأقضي العقوبة.
قضيت باقي اليوم وأنا احاول أن أتذكر بعض معلوماتي الإقتصادية فأخذت قطعة حجر صغيرة من أرض الزنزانة المتهالكة وبدأت أستعيد نموذج كينز الإقتصادي من خلال معادلاته ورسومه البيانية وشعرت بصفاء ذهن لم أشعر به منذ وقت طويل ثم سرحت أستعيد ذكريات الشهر الأخير وبدايات قصص لم أكملها (كنت حينها أحاول كتابة القصة القصيرة) ويومه ألفت قصة ظللت أرويها شفاهة حتى قال لي كمال الجزولي بعد سنوات في معتقل جمعنا أن تلك تجربة جديدة القصة القصيرة المروية وإنها إستفادة من تراث الحكاوي السودانية.
وقبل مساء ذلك اليوم إذا بباب حوش الزنازين يفتح ويدخل شخص وسيم الطلعة في ملابس نظيفة وقفل في الزنزانة القريبة مني. وصحت مناديا بعد خروج العساكر "مرحبا أنا صدقي كبلو فمن أنت؟ فقال "أهلا كبلو أنا السر النجيب" وبدأنا نحكي لبعض ,اصبحنا أصدقاء من يومها، بل أنني أصبحت صديقا لكل عائلة النجيب.
بعد يوم جاءوا وأخذوا السر إلى السرايا فترك لي ساعته حتى أستطيع معرفة الزمن. ومكثت يومين قبل أن أشهد حركة غير عادية في القسم وأمباشي سيدأحمد يدخل ويخرج فعرفت أن شيئا ما سيحدث. وفعلا دخل رهط من الضباط عرفت من بينهم العميد محمد عوض الله مدير السجن (القومندان) والعقيد البشير مالك حكمدار السجن والرائد عثمان عوض الله المأمور وشخص آخر في رتبة عميد لم أعرفه حينها وعرفت فيما بعد أن إسمه ميرغني أبو الروس وهو نائب مدير السجون. فقال الأخير وإنت مالك هنا فقلت " مسالة غير مهمة المهم إني طالب بجامعة الخرطوم وأريد أن أجلس للإمتحانات" فقال "وكمان طالب أفتكرت رباط" ثم تغيرت سحنته وبدأت عليه الجدية والإهتمام وسأل القومندان "عندكم طلبة كثيرين هنا" فقال القمندان "أربعة أو خمسة" فقال أبو الروس لعثمان عوض الله المأمور "أخذ أسماء كل الطلاب وكلياتهم وسنينهم الدراسية وأرسلها لي" فقال عثمان "حاضر أفندم".
وبعد يومين تقريبا جاءوا وأخذوني لقسم الشرقيات للتحضير للإمتحانات وأحضروا من السرايا الخاتم عدلان وكمال عطية ومن كوستي محجوب عباس وحمودة فتح الرحمن ومن الأبيض النور ماو وميرغني شمس الدين وميرغني الشايب (وكان محكوما بالسجن لهتافه ضد نميري عند زيارته للأبيض) وعوض السيد الكرسني و الطيب الأمين والأقلع وزميل إسمه آدم ومن الجنوب جورج ماكير و زميل اسمه أروب.



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
imported_خالد الحاج غير متصل