المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزعيم التجاني الطيب بابكر (1) .


شوقي بدري
27-11-2011, 06:27 PM
الزعيم التجاني الطيب بابكر (1) .
[/CENTER]قال الشهيد عبد الخالق محجوب في رثاء صديقه عمر ، و لهذا يحمل ابناء عبد الخالق اسماء عمر و المعز ، و هذا ما حفظناه قديماً : ( ان الحياة تمنح مرة واحدة . و ما اسعد الذي يستطيع ان يقول في نهايتها ، لقد قضيتها في خدمة اعدل قضية ، قضية الاشتراكية ). و لهذا نقول اننا جد فخورون بالزعيم التجاني الطيب . و انا لم اكن ابداً شيوعياً و لي خلافات مع الشيوعيين . و لكن الانسان لا يختلف مع النقاء و الوطنية و الشجاعة و الصمود ، التي كان الزعيم التجاني الطيب عنواناً لها .
قبل بضع سنوات اردت أن اطبع المجموعة القصصية المشبك ، و الأهداء كان إلى الشهداء جوزيف قرنق ، الشفيع و عبد الخالق محجوب . و لقد قدم للكتاب الزعيم التجاني الطيب رحمة الله عليه . و البعض كان يقول لي انه لن يسمح بنشر هذا الكتاب إلّا اذا تغير الأهداء و التقديم . إلّا انني اصريت على الأهداء , لأنه الى خيرة الشهداء . و كنت أصر على التقديم قائلاً ، أنه لشرف لي لأن الزعيم التجاني من انظف السودانيين و أكثرهم صلابة ، لقد قدم للكتاب . و منع الكتاب في السودان و تأخر طبعه سنتين .
في سنة 1995 كنت اريد ان اكتب توكيلاً للزعيم التجاني الطيب في القاهرة . و عرفت ان التوكيل يتطلب ساعات من العمل و الانتظار و التلتلة في الشهر العقاري . و لكن اذا كان معي محامي فقد يتسهل الأمر . فعرفني الأخي صلاح عبد الفتاح بمحامي مصري بتمتع بالوسامة و الأناقة . و كان منتسباً للقضاء العسكري ، و هذا قد يسهل المهمة . و أذكر ان المحامي كان من اصهار العم محمد الشاذلي مدير البوليس السابق في الخرطوم .
عندما قدمنا الطلب في الشهر العقاري ، قال لي الموظف و هو قانوني كذلك ، ما معناه انني اكتب توكيل عام لشخص ، و أعطية الحق لتوكيل آخرين . و هذا يعني أن لحامل التوكيل الحق في أن يتصرف في حسابي البنكي و ان يبيع مسكني أو ان يدخلني في ديون و التزامات . و أن عملية توكيل عام خطأ . فقلت له إذا تعرضت لأي شئ مما ذكرت من حامل التوكيل ، فسأسير مختالاً وسط الناس ، و سأكون فخوراً بكل ما يحدث لي . فواصل الموظف موجهاً كلامه للمحامي المصري ، لأنه قد فشل في اقناعي . وطلب من المحامي ان يفهمني ان لحامل التوكيل الحق في ان يطلقني من زوجتي . فقلت له : ( دا حا يكون شرف بالنسبة لي ) . و واصلت قائلاً : ( اننا سلمنا مصيرنا و مصير البلد للمناضلين امثال الزعيم التجاني الطيب بابكر ، و أننا نثق بهم أكثر مما نثق بأنفسنا ) . فقال المصري : ( هو لسة في ناس بالشكل دا ) . فقل له : ( و أزيد من كدا ، و هذا احدهم ) . رحمة الله على التجاني الطيب بابكر . فلقد كان رجلاً فريداً . و أذكر انني كتبت عدة مواضيع عن الزعيم التجاني الطيب بابكر ، و انا الذي اطلقت عليه اسم الزعيم التجاني ، رغم انه يكره الألقاب . و لسوء الحظ لم اجد هذا الموضوع بين مواضيعي . و أرجوا ممن عنده هذا الموضوع ان يزودني به .
قديماً عندما يكون الأنسان في حيّ العرب ، و هو حيّ الزعيم التجاني و أهله ، كان الانسان يشاهد جبال المرخيات ، و خاصة جبل سرقام . و كل ما افكر في الزعيم التجاني الطيب ، افكر في هذا الجبل . لقد كان الزعيم التجاني في ثبات ذلك الجبل . كان يتعرض دائماً للأعتقال و السجون . و كان من اصبر المناضلين ، حتى في قسوة السجون المصرية ، و لم يكن يهتز أو يشتكي ابداً . و ليس هذا بغريب ، فوالده الشيخ الطيب بابكر عرف بالشيخ المظوهري . لأنه اول من قاد المظاهرات في 1924 في شندي . و لقد حدد الانجليز اقامته في شندي ، و منعوا خروجه منها . و كان شقيقه المهندس رحمة الله عليه ، احمد الطيب من أول طلاب مدرسة الأحفاد عندما انشأت في امدرمان ، كما كان من أميز طلبة كلية غردون ، و من أكثر الطلبة علماً و ادباً . و اشتهر بكرمه و اهتمامه بأصدقائه و وفائه النادر . كما اشتهر بمستواه العالي في التعليم و التحصيل و وعيه السياسي . و سبب هذا في طرده من الجامعة في السنة النهائية ، و أكمل دراسته في القاهرة .
كما ذكر لي الأخ الدكتور سيد المقبول ، فأنه كان يشاهد الزعيم التجاني الطيب و اشقائه أحمد و بشرى و عصام و الرشيد . منهم الطبيب و المهندس و المعتمد ، و الكل يقعي امام والدهم بعد أن ضعف سمعه ، و يتنافسون في خدمته ، و الكتابة على راحة يده حتى يشارك في الحديث . رحم الله التجاني . و عوضنا عن الزمن الجميل ، الذي كان الزعيم التجاني رحمة الله عليه ممن تأثرنا بهم و تعلمنا منهم الكثير .
لقد اسعدني الحظ بأن قابلت التجاني و عشت معه في براغ ، في ايام الدراسة . و تعرفت بزوجته السيدة الفاضلة فتحية و أبنته عازة المناضلة عندما كانت طفلة صغيرة .
بالرغم من صلابة و قوة الزعيم التجاني ، كان في نفس الوقت انساناً عطوفاً ودوداً محباً للآخرين . سمعته يقول لانسان كان على خلاف مع زوجته : ( ياخي زوجتك دي مفروض أول زول تصاحبه . علاقتك معاها بعد العشرة الطويلة دي مفروض تكون صداقة ). و في القاهرة كنت اشاهد أهتمام الزعيم التجاني بحفيده . و كان يعني له كل الدنيا . كما كنت احس بعلاقته الجميلة مع صهره الاستاذ محمد خالد .
الزعيم التجاني الطيب كان يبدو كأحد الشخصيات التي خرجت من الاساطير الاغريقية القديمة . كان رمزاً للشجاعة و الصمود والتجرد . لم يكن يريد اي شئ لنفسه . كان يحاسب نفسه قبل الآخرين . و في الفترة الأخيرة في القاهرة كانت تواجهه آلآف المشاكل و هو صابر و متحمل . و أضيف هنا ما كتبه اخي و استاذي أحمد بدري .

التحية ع. س. شوقي بدري

اقتباس :

وداعا أستاذنا في الأحفاد الوسطى الوطني الجسور

هذا واحد من الدروس الوطنية التي تلقيناها من معلمينا آنذاك وعلى رأسهم التجاني الطيب بابكر الذي لم يكن يعرف أن والدهم ترك له منزلا في حي البوستة بأمدرمان إلى أن جاءه عامل بسيط يبحث عن الإيجار .. قال له حينها إذهب إلى أخي المهندس أحمد الطيب بابكر لأنه الوصي الأمين وسوف يحل ليك مشكلتك!! ماذا يقول أصحاب العقار الفاخر في كافوري من لصوص السلطة ؟

جانب من مرافعة أستاذنا التجانى الطيب بابكر امام محكمة أمن الدولة و التي قضت بالحكم عليه بالسجن عشر
سنوات في اكتوبر1982
السادة رئيس واعضاء المحكمة
ليست هذه اول مرة اواجه فيها القضاء، فانا مناضل منذ الصبا الباكر، اي قبل اكثر من اربعين عاما، و الفضل في ذلك يعود الى ابي و معلمي الذي كان قائدا لثورة 1924 في شندي و ظل وطنيا غيورا حتى وفاته قبل شهور، كما يعود الى جيلنا العظيم جيل
الشباب الذي حمل على اكتافه القوية اعباء نهوض الحركة الوطنية و الديمقراطية الحديثة. و انني اعتز بانني كنت من المبادرين و المنظمين البارزين لاول مظاهرة بعد 24 و هي مظاهرة طلاب المدارس العليا في مارس 1946، و اعتز بانني كطالب في مصر اديت نصيبي المتواضع في النضال المشترك مع الشعب المصري الشقيق ضد الاستعمار و حكومات السراي و الباشوات و نلت معه نصيبي المتواضع من الاضطهاد باعتقالي سنة و قطع دراستي، واعتز بانني شاركت مع رفاق اعزاء في كل معارك شعبنا من اجل الحرية و التقدم الاجتماعي و الديمقراطي، و قمت بدوري المتواضع في بناء الحركة العمالية و تنظيماتها و نقاباتها و الحركة الطلابية و اتحاداتها، و اعتز بانني في سبيل وطني و شعبي شردت و اعتقلت و سجنت و لوحقت.
و انني لم اسع الى مغنم ولم اتملق حاكما و لا ذا سلطة و لم اتخلف عن التزاماتي الوطنية كما اعتز بانني ما زلت مستعدا لبذل كل تضحية تتطلبها القضية النبيلة التى كرست لها حياتي، قضية حرية الوطن و سيادته تحت رايات الديمقراطية و الاشتراكية. و لست اقول هذا بأية نزعة فردية فانا لا اجد تمام قيمتي و ذاتي و هويتي الا في خضم النضال الذي يقوده شعبنا و قواه الثورية، الا كمناضل يعبر عن قيم و تطلعات و اهداف ذلك النضال، الا عبر تاريخ شعبنا و معاركه الشجاعة التى بذل و يبذل فيها المال و الجهد و النفس دون تردد في سبيل الحرية و الديمقراطية و التقدم الاجتماعي، انني جزء لا يتجزأ من هذا التاريخ المجيد و هذه القيم و التطلعات النبيلة. ان هدف السلطة من تقديمي لهذه المحاكمة ليس شخصي بالدرجة الاولى و انما مواصلة مساعيها لمحو التاريخ الذي امثله و التطلعات التى اعبر عنها.. و لكن هيهات..
وشكرا على سعة صدركم

عضو المكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني رئيس تحرير صحيفة الميدان .

AMAL
27-11-2011, 09:18 PM
[http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/oct/tega2.jpg

وداعا عم التجاني
وداعا يازول يارايع
وداعا

سارة
28-11-2011, 12:38 AM
http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/oct/tij2.jpg

له الرحمة ولكم صبرا جميلا

انكسر المرق واتدفق الرصاص

نبيل عبد الرحيم
28-11-2011, 01:47 AM
بحزن بالغ وصبر يليق بمقامه، ينعى الحزب الشيوعى السودانى للشيوعيين والديمقراطيين ومحبى العدالة والديمقراطية والسلام فى ربوع السودان والعالم كله غياب القامة الوطنية الشماء الأستاذ التيجانى الطيّب بابكر أحد مؤسسى حزبنا وعضو لجنته المركزية ورئيس تحرير صحيفة الميدان الناطقة بإسم الحزب الشيوعى السودانى. كان الفقيد من الرعيل الأول الذين وضعوا لبنات العمل السياسى التقدمى منذ النصف الأول من أربعينات القرن الماضى، فقد إنضم إلى الحركة المصرية للتحرر الوطنى (حدتو) فى مصر إبان دراسته بها وكون مع رفاقه السودانيين الدارسين والمقيمين بمصر الحركة السودانية للتحرر الوطنى (حستو) حتى إعيد للسودلن مخفوراً لنشاطة السياسى هناك، ثمّ إنخرط مع رفاقه بالسودان فى تأسيس الجبهة المعادية للإستعمار والتى تحولت للحزب الشيوعى السودان فى عام 1946. كان الأستاذ التيجانى أول متفرغ حزبى فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى فى أوائل خمسينات القرن الماضى. تقلد مواقع قيادية فى الحزب الشيوعى وكان ممثله لسنوات فى مجلة قضايا السلم والإشتراكية وسكرتيراً للجنة الحزب المركزية ومنظماً فذاً وإنساناً رائعاً ونبيلا. تعرض للسجن والإعتقال لمرات عديدة فى مسيرة نضاله الطويلة إبان الإستعمار وخلال الدكتاتوريات العديدة التى رزء بها وطننا السودان. مثلّ الحزب الشيوعى فى قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى منذ تأسيسه وحتى عودة المعارضة السودانية للداخل. قدم مرافعة أمام المحكمة التى عقدت له إبان الحكم العسكرى الأول تعتبر معلماً فى أدب المرافعات السياسية مازال الناس يستلهمون منها الرصانة والصرامة والإستقامة والوضوح. إنتخب للجنة المركزية للحزب الشيوعى السودان فى مؤتمره الخامس الأخير وقال مقولته المشهورة (المناضل ما بنزل المعاش طالما كان قادراً على العطاء).
نعزى فيك أنفسنا أيها الأب المؤسس والزميل المنضبط والصديق الرؤوم والمحب لشعبه الباذل المعطاء. سيظل حزب الشيوعيين السودانيين وحركة التقدم السودانية تدين لك بالعرفان لما قدمته لها من أنموذج باذخ فى الصبر والصلابة والوفاء ولن ينسى كل من تقاطعت دروبهم بدربك المضئ صرامتك الأبوية الحنونة وآرائك الصائبة السديدة وصلاتك الإنسانية الرحيمة ومحبتك للأطفال وعطفك الفياض على الفقراء والمقهورين.
نمّ قرير العين أيها الباذل الشاهين فراياتك لن تنكس أبداً يا أبا عازة وحلمك النبيل بالحرية والديمقراطية والعدالة لشعب السودان سيحققه بنوك الذين تشربوا منك كل القيّم الإنسانية الرفيعة التى ما ونيت تبذرها فينا. وداعاً يا زميل وحى على الكفاح.
الحزب الشيوعى السودانى
المملكة المتحدة وأيرلندا 25 نوفمبر 2011
http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/oct/coomunest.jpg

فيصل سعد
28-11-2011, 02:44 AM
له واسع الرحمة و المغفرة .. و لاهله و احبابه
و لك استاذنا شوقي الصبر الجميل و حسن العزاء ..

فيصل سعد
28-11-2011, 03:05 AM
هنا مقتطفات عن بعض كتابات شوقي بدري بتاريخ 23 ابريل 2004 بمكتبته بسودانيز اونلاين عن الراحل المقيم الاستاذ التيجاني الطيب .. طيب الله ثراه ..


قادة الحزب الشيوعي السوداني كأغلب زعمائنا السابقين لم يكن لهم منزلا يأويهم و التجاني لم يكن ليمتلك شبرا من الارض لولا شقيقه احمد الطيب . و لقد قال الزعيم التجاني الطيب بابكر في سنة 1996 (المصريين رفعوا تذكرة البصات ) فقلت مستغربا ( انته يا زعيم بتركب بص ؟) و اكتشفت ان الجميع يركبون البص بدليل ان الخال محجوب عثمان ذكر لي عندما كنت اسكن معه في القاهره بأن سيدتين قد رفضتا ان تدفعا مبلغ 25 قرش لان الكمساري زعم ان البص سياحي ، و صارت شمطه و صريخ

عندما يكون الانسان بعيدا لا يحس بالمشاكل التي يواجهها هؤلاء .فالزعيم التجاني الذي يصفه البعض بأنه ناشف و صعب و يلقبونه بالمرشد لم يكن لينفذ اي شئ ان لم يكن حاسما .

في ظرف ساعه واحده و انا جالس في منزل الزعيم التجاني رن جرس التلفون ثلاث مرات و في كل مره كانت هنالك مشكله اخذت جهدا و صبر الانبياء لتفهيم الطرف الاخر . و سمعته يقول لشخص ( ياخ ما عندنا قروش عشان نوديك مستشفي خاص ، و المستشفيات العامه ما بالسوء ده ، انا زاتي بتعالج في المستشفيات العامه ) . و يمر الوقت و الزعيم يردد نفس الكلام .و الاخر لا يريد ان يقتنع .

و اخر يريد من الزعيم ان يساعده للتحصل علي اعانه او بعثه ، و الزعيم يقول له ( ياخ ما بنقدرنساعد ولدك ، المصريين غيروا سياستهم بعد محاولة اغتيال حسني مبارك، نحنه ما بنقدر نعمل حاجه، ياخ اتكلمنا مع المصريين كتير قلنا ليهم موضوع البعثات ده ماشي من ايام رئيس الوزراء سنهوري ، لكن وقفوهو نعمل شنو؟ ) .
و ثالث اضطر الزعيم التجاني ان يخفض صوته ليقول شبه هامسا ( ياخ ده موضوع انا ما بقدر ادخل فيه ، ده موضوع خاص و الحاجات دي.....و الخ) .

في احد الليالي ا تصل شخص من مطار القاهره و طالب الخال محجوب عثمان ان يدبر له عملية دخوله . و واصل اتصالاته لما لا يقل عن ست او سبع مرات . و استمر الامر الي الفجر و الشخص غاضب. و الخال اجري بعض الاتصالات و حاول ان يعتذر بان المصريين بعد محاولة اغتيال رئيسهم منعوا السودانيين من دخول بلادهم . و الخال يستمع بطولة باله و صبره المشهور و يقول ( حاضر..حاضر ) و الصوت الاخر في التلفون يعلو و يحتد .

الخال محجوب قد غادر السودان بعد سنتين او اكثر في سجون الانقاذ . و سار علي قدميه و علي الجمال الي الحدود المصريه لكي يقضي سته اسابيع علي الحدود مع الجنود و بعدها طلبوا منه الرجوع الي السودان.و رجع ماشيا . و كان عندما يستيقظ في الصباح يجد اثر اقدام الضباع حوله . و عندما سقط ارضا حومت الصقور حوله و كان يدفعها بعكازة . ثم سقط مغشيا عليه من العطش حتي وجده شخص و ساعده علي بلوغ النيل الذي لم يكن بعيدا . و اخيرا عندما وصل حلفا كان مغطي بالقذاره و التراب حتي انه عندما طرق باب اهل الاستاذ محجوب محمد صالح لم يتعرفوا عليه.و رجع الخال محجوب لامدرمان لكي يعيد نفس الرحله مره اخري و هذا ليس بالسهل لشخص في العقد السابع من عمره . و كان يقول لي ان ركوب الجمل لشخص غير متعود يجعل سرواله يصطبغ بالدم . فاي قوه كانت تدفع هؤلاء الرجال. الزعيم التجاني كذلك و اخرون قد قاموا بهذه الرحله . و كانوا يشاهدون جماجم و عظام من لم يكتب لهم الحظ . و بلغ الالم بالزعيم التجاني انه عندما بدأت القافله تتحرك لم يستطع الركوب . فاضطروا الي لفه ببطانيه و حمله كرحل بجانب الجمل

في اول ساعات استلام السلطه بواسطة الانقاذ انطلق طبيب في السلاح الطبي موتور يدفعه الحقد و اعتقل الزعيم التجاني من منزله . و بدلا من اخذه الي المعتقل اخذه للمستشفي العسكري و من المؤكد انه كان ينوي الاسوأ . و لحسن الحظ نسي او لم يعرف الطبيب كلمة السر و عندما لم يفتحوا له الباب ثار في وجه الحراس و شتمهم فأرداه احدهم برصاصه و انتي الامر بالزعيم التجاني في المعتقل .

فعندما يختلف الانسان مع امثال هؤلاء من الصعب ان يكون علي حق. حتي اذا اخطأ هؤلاء فليس لانهم طالبي نعمه او ثروه فمن يعرض نفسه لهذه المخاطر و التلتله لا يمكن ان يكون انتهازيا او غير صادق في مبادئه.

كثير من الخلافات السودانيه ناتجه عن سوء الفهم لاشياء بسيطه قد تؤدي الي مرارات و صراعات عنيفه . و ابتعاد الرائع صلاح احمد ابراهيم خير مثال لذلك .

عندما اتي احمد الفكي الي السويد و سكن معي و قدم طلبا للجوء السياسي اتصلت بالزعيم التجاني لان احمد لم يجرؤ علي ذلك و طالبت الزعيم بان يرسل لنا نسخ من جريدة الميدان و المواضيع التي نشرها احمد الفكي و قد قال لي الزعيم ( الزول ده ليه سنين بعيد مننا ، يمكن في الوقت ده يكون اشتغل مع الامن او اي حاجه ) و كنت اصر علي انه حتي و لو ترك الحزب فان من حقه ان يتحصل علي تلك الجرائد ، و تكرم الزعيم بارسالها .

الغريبه ان احمد عندما حضر نظر الي مكتبتي و مجلدات لينين و الكتب الماركسيه و قال ( انتو لسه مع الحاجات دي ؟) و لقد كذب علي عندما زعم ان الدكتور ابوسبيب قريب زوجته لم يستقبله جيدا و قال له تمشي لشوقي مما جعلني اسئ الظن و اظلم اباسبيب .و بالسؤال عن احمد في السودان لم تكن الاجابه جميله الا اننا قضينا ما يقرب السنه و النصف و نحن تحت نفس السقف .

عند حضور الدكتور محمد محجوب عثمان اتصلت بالزعيم لمساعدتي ببعض الاوراق فغضب و احتد معي ، و له كل الحق فالدكتور محمد محجوب قد اخطأ خطئا فادحا بقبوله عضوية برلمان الجبهه حتي و ان كان لفتره قصيره و لتسهيل خروجه . و وقتها كتبت خطابا للزعيم من 17 صفحه اعتذر فيه و اقول انني لا اتفق مع محمد محجوب الا انه صديقي و يجب ان لا ننسي ما قدمه للحزب من قبل و لكل جواد كبوه . و اثناء نقاشي مع محمد محجوب كان يبدو ان هنالك صدامات قديمه بعضها بسيط الا انه تضخم . فمثلا في سجن كوبر عندما كان الزعيم التجاني يشارك محمد محجوب الزنزانه ان اتت قطه من الشباك و كسرت بعض الصحانه و الكبابي فايقظ محمد محجوب الزعيم التجاني بعفويه قائلا( يا التجاني الكديسه نطت من الشباك و كسرت العده .) فقال التجاني غاضبا ( و انا اعمل ليها شنو يعني و ليه تصحيني ؟) . و اشياء صغيره مثل هذه قد تكون بدايه لمشكله كبيره .

في السنه الماضيه اتاني صوت من السودان يقول ( خليك بكره جنس المواعيد في البيت ، عمك حيتكلم معاك ) و في اليوم التاني اتاني صوت محمد ابراهيم نقد و كان هذا شرف يكاد ان يرقي الي انني كنت جليسا للاستاذ محمد توفيق رحمة الله عليه.
و عندما قلت للاستاذ نقد ( ياخ ده شئ كتير ، ما معقول تتلتل نفسك و تتعب ) فكان رده ( كان لازم اعزيك في اخوك شنقيطي لانو راجل عظيم. و برضو لمن مشيت للشنقيطي كان بقول لي كلام زي كلامك ده .ما في لزوم و كده.) و سألت صديقي مدبر الاتصال( الخلي نقد يمشي للشنقيطي شنو؟).

قديما كان منزلنا في امدرمان مسكنا و مكان لقاء للكثير من الشيوعيين لان الناس كتار و الرجل داخله و البيت حوشين ، بيتنا و بيت اختي و ناس الحله كلهم اهلنا و عشيرتنا ، بدري و رباطاب . و اخي اسعد بدري كان في الثانوي و يقوم بالخدمه و تقديم الشاي في الاجتماعات و الشنقيطي يقول له ( ده اجتماع بتاع موظفين الماليه .) و اسعد متضايق من الخدمه التي تقيده . و في احد المرات حضر الاستاذ نقد لحضور احد الاجتماعات . فقال اسعد ( و نقد ده برضو معاكم في الماليه؟ ) .

عرفت ان السبب لزيارة نقد للشنقيطي كانت بسبب ان الخاتم عدلان الذي كان يسكن مع الشنقيطي ان زارته فتاة . و انا لست هنا لاحكم علي اخلاقيات اي انسان و لكن قيل ان نقد احتد مع الخاتم و ذهب للاعتذار للشنقيطي و قد تكون هذه بداية او نهاية معركه . و الحقيقه ان الخاتم عدلان و وراق و صلاح العالم واخرين كانوا يعتبرون نوار الحزب . و قيل ان بعض الذين كانوا يتوقعون ان يورثوا زعامة الحزب الشيوعي قد قالوا عن التجاني و نقد و اخرين ( ديل ما حيموتوا ، ديل صداع ما بجيهم).

اليدو في المويه ما زي اليدو في النار . في سنه 1997 اقيمت حفله في منزل الزعيم التجاني في القاهره للبروفيسر مصطفي خوجلي و شوقي بدري . و جمعي مع البروفيسر كان شرفا لا ازال اجد صعوبه في تصديقه . و اتي الفنان محمد وردي مصحوبا بمخرج مصري و بالرغم من وجود الاستاذ محمد توفيق رحمة الله عليه الذي ليس هناك عاقل في الدنيا لا يحترمه قام وردي بالهجوم علي التجاني و احتد في كلامه .

و السبب ان التجاني لم يوفر لابنه وردي فرصة دخول الجامعه و لمدة ساعتين كان وردي يهاجم التجاني و الزعيم يقول له ( ياخ انا ما في ايدي اي حاجه و ما بقدر اعمل اي حاجه مع المصريين ديل ، انا لمن احتاج حاجه بتصل بفاروق) و اشار للاستاذ فاروق ابوعيسي . فالتفت وردي لفاروق و هاجمه قائلا ( انته كيف تقول انا اخذته 10 الف جنيه عشان اغني ليك في عرس بنتك ) فقال الاستاذ فاروق ( انا ما قلته كده ، و انته طالبته بعشره الف و اخذته الاتفقنا عليه ) . و تدخل الخال محجوب عثمان و اخرين لتطييب الموقف و الزعيم التجاني الذي يوصف بالشده و النشاف صامت يرد بهدوء لمدة ساعتين كاملتين.

و عندما اعدت الاخت فتحيه مائدة العشاء رفض وردي العشاء و خرج غاضبا يتبعه المخرج المصري قائلا ( انا ما حاكل في بيتك) . و لقد يتسائل الانسان ما الذي يجبر الزعيم التجاني و الاستاذ نقد و الاخرين لمواجهة كل هذه المشاكل و الاتهامات و الادانات و المعتقلات و السجون و احتمالات التصفيه و الفلس و شظف العيش و يأتي من يصفهم بانهم قد قبضوا من الامريكان و الالمان و يمكن اليابان .

احد الاخوه و هو الذي اتصل بي من السودان و قال عمك حيتصل بيك ، كان في الحفل و لانه يحب المزاح فقد قال لي ( شفته ليك حفله فرتقها الفنان ؟) . عرفت فيما بعد ان ابنة وردي ليست لها شهاده تخولها لدخول الجامعه .


و نواصل
شوقي

عبدالله الشقليني
28-11-2011, 08:03 AM
انا لله وانا اليه راجعون

لشدما أسرتني كلمات حزينة كتبتها الفاضلة إنعام حيمورة في رحيل النبيل التجاني الطيب بابكر :

يابا مع السلامة يا سكة سلامة
في الحزن المطير
يا كالنخلة هامة
قامة واستقامة
هيبة مع البساطة
اصدق ما يكون

تحية لك أخي الأكرم : شوقي بدري ..
ما تركت لنا كثير شيء لنكتُبه

ألف شكر للوفاء
فما تخير أحد من ينابيع التجاني بمثلما تخيرت
له الجنان الباسقات بإذن مولاه

*

فيصل سعد
28-11-2011, 07:27 PM
أجمل من رائحة النضال لم يشمّ رائحة !!
وداعا المناضل / التيجاني الطيب

فارق دنيانا المناضل التيجاني الطيب بابكر عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني ورئيس تحرير صحيفة الميدان، بعد صراع طويل مع المرض، وعن عمر ناهز 85 عاما. كانت حياته مفعمة بالنضال ونشر الوعي والمعرفة، والتضحيات الجسام من أجل رفعة وتقدم البلاد وترسيخ الديمقراطية، وساهم في مقاومة الاستعمار وديكتاتوريتي عبود والنميري وديكتاتورية نظام الانقاذ وتعرض للاعتقال والتعذيب والنفي الي "ناقيشوط" بجنوب السودان أيام عبود، وضحي من أجل بقاء وثبات ووحدة الحزب ووجوده فعّالا ومؤثرا في المجتمع ، حتي وجد قيمته وذاته "في خضم النضال الذي يقوده شعبنا وقواه الثورية" كما جاء في دفاعه أمام محكمة نظام مايو الديكتاتوري.

التيجاني من مواليد العام 1927م، والده الطيب بابكر من قادة ثوار 1924م، تلقي تعليمه الأولي بمدينة شندي والاوسط والثانوي بام درمان، وشد الرحال الي مصر طلبا للتعليم الجامعي مع رفاق دربه عبد الخالق محجوب والجنيد علي عمر وعبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة..الخ.

ولايمكن الحديث عن التيجاني بمعزل عن تاريخ الحركة الوطنية السودانية الحديثة التي انفجرت بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن خمدت جذوتها بهزيمة ثورة 1924م، وشارك التيجاني في مظاهرات الطلاب التي اندلعت عام 1946م بعد أحداث كبري عباس وهتافاتها الداوية ضد الاستعمار ومن أجل استقلال البلاد، ومقاومة الجمعية التشريعية 1948م وتأسيس الأحزاب السياسية ونقابات واتحادات العمال والطلاب والمعلمين والمزارعين واتحادات الشباب والنساء ومنظمات أنصار السلام، حتي تمّ تتويج نضال شعب السودان بتوقيع اتفاقية فبراير 1952م التي فتحت الطريق للحكم الذاتي بعد قيام الانتخابات العامة عام 1954م، وقيام الجبهة المتحدة لتحرير السودان التي توحدت من أجل استقلال البلاد حتي تم اعلانه من داخل البرلمان واعلانه رسميا في مطلع يناير 1956م.

كما لايمكن الحديث عن التيجاني بمعزل عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني الذي تأسس في أغسطس 1946م باسم " الحركة السودانية للتحرر الوطني" ، ساهم التيجاني في تأسيس الحلقات الأولي للحزب وفي تأسيس اتحاد الطلاب السودانيين بمصر، وبسبب نشاطه السياسي تعرض للاعتقال والتعذيب في السجون المصرية، والابعاد من مصر قبل أن يكمل دراسته. وبعد عودته للسودان عمل لفترة معلما في مدرسة الأحفاد الوسطي، وساهم في تأسيس اتحاد معلمي المدارس الأهلية، وبعد ذلك تفرغ للحزب في اوائل خمسينيات القرن الماضي. وساهم بنشاط في المؤتمر التداولي لكادر الحزب الذي عقد عام 1949م والذي صحح مسار الحزب وارسي الديمقراطية فيه ، ومهد الطريق لعقد المؤتمر الأول للحزب في اكتوبر 1950م، والذي قدم فيه لأول مرة تقارير سياسية وتنظيمية واجيز دستور الحزب الذي تطور فيما بعد، وتم انتخاب لجنة مركزية. ووقف التجاني مع وحدة الحزب في الصراع الداخلي والذي حسمه المؤتمر الثاني في اكتوبر 1951م لمصلحة وجود الحزب المستقل بدلا أن يكون جناحا يساريا في الأحزاب الاتحادية، وتأكيد طبيعته الطبقية ومنهجه الماركسي المستند الي واقع السودان، حيث النظرية ترشد الممارسة، والممارسة تخصّب وتظور النظرية. وبعد المؤتمر الثاني نشب الانقسام وكان التيجاني من الذين دافعوا عن وحدة الحزب، وظل التيجاني مدافعا عن وحدة الحزب في كل الصراعات الداخلية والانقسامات التي نشبت في الحزب في أغسطس 1964م، وفي سبتمبر 1970م، وفي مايو 1994م، وساهم في هزيمة الأفكار التي طالبت بتصفية وحل الحزب الشيوعي والتخلي عن طبيعته الطبقية ومنهجه الماركسي، وظل قابضا علي جمر مبادئ الحزب حتي الرمق الأخير.

وظل التيجاني عضوا منتخبا في اللجنة المركزية حوالي 60 عاما منذ المؤتمر الأول: اكتوبر 1950م، والمؤتمر الثاني: اكتوبر 1951م، والمؤتمر الثالث: فبراير 1956م، والمؤتمر الرابع: اكتوبر 1967م، والمؤتمر الخامس: يناير 2009م ، وبعد أن نال ثقة الأعضاء بفضل تفانيه واخلاصه وتضحياته الجسام وجهده القيادي في مختلف المسؤوليات التي تسنمها.

وفي نشاطه الحزبي شغل التيجاني عدة مسؤوليات قيادية في المكتب السياسي وسكرتارية الللجنة المركزية، وفي مناطق عطبرة ومديرية الخرطوم، وفي مكتب العلاقات الخارجية ، ومكتب التعليم الحزبي، ولجنة الانتخابات المركزية، ومندوبا للحزب في التجمع الوطني الديمقراطي في القاهرة بعد انقلاب 30 يونيو 1989م، ومندوبا للحزب في مجلة " قضايا السلم والاشتراكية" التي كانت تصدر من براغ في ستينيات القرن الماضي، وفي صحافة الحزب السرية والعلنية: "اللواء الأحمر" والتي تغير اسمها الي " الميدان" عام 1954م، وبعد جريمة حل الحزب الشيوعي عام 1965م وطرد نوابه من البرلمان أسس التيجاني صحيفة "الضياء" عام 1968م وراس تحريرها، كما أسهم في تأسيس مجلة " قضايا سودانية" التي كانت تصدر في القاهرة في تسعينيات القرن الماضي.

وكانت له مساهمات اثرت حياة الحزب وخطه الثوري من أهمها مساهمته التي صدرت في مجلة الشيوعي العدد (150) بعنوان " تطور الخط الثوري للحزب"، وهي دراسة قيّمة فيها ملاحظات ناقدة لتطور الحزب ومعالم هامة في تاريخه ، كما ساهم التيجاني في صياغة موقف الحزب من قضية الجنوب، وشارك في أول لجنة كونها الحزب لدراسة مشكلة الجنوب في اوائل خمسينيات القرن الماضي، مع د. عز الدين علي عامر والشهيد جوزيف قرنق، وتم تقديم دراسة ميدانية للمشكلة ساعدت الحزب في دراسة المشكلة بذهن مفتوح، وتوصل الحزب الي " شعار الحكم الذاتي في اطار السودان الموحد" ، وضرورة التنمية المتوازنة، والاعتراف بالتنوع الثقافي ، واحترام ثقافات ومعتقدات شعوب وقبائل الجنوب وحقها في استخدام لغاتها الخاصة في التعليم. كما اسهم التيجاني في توثيق مواقف الحزب حول قضية الجنوب، واصدر عدة وثائق وكتابات من صحيفة الميدان والتي صدرت في كتاب بعنوان " البحث عن السلام".

كما اهتم التيجاني بالتوثيق لتاريخ الحزب، ولم يبخل في تقديم المساعدات للباحثين في تاريخ الحزب من خلال مدهم بالوثائق أو قراءة ابحاثهم وتقديم الملاحظات عليها وتصويب بعض الوقائع. كما ساهم التيجاني في اصدار كتاب " ثورة شعب" مع المرحوم عمر مصطفي المكي الذي وثّق توثيقا جيّدا لأحداث ووقائع ثورة اكتوبر1964م ونضال مختلف الفئات والاحزاب حتي اندلاع الثورة، وهو من المصادر المهمة لثورة اكتوبر 1964م، كما ساهم التيجاني في تنظيم وحفظ ارشيف الحزب في الخارج حتي يكون متاحا للباحثين والدارسين، وظل متابعا لذلك في " لجنة التوثيق" رغم مرضه حتي وفاته.وساهم التيجاني في لجنة العيد الأربعين للحزب التي كونها مركز الحزب بعد انتفاضة مارس- ابريل 1985م، والتي كان ثمرة نشاطها بعد جهد مقدر من الكتاب والمؤرخين والمبدعين انجاز "كتاب معرض العيد الأربعين" والذي وثق لتاريخ الحزب في الفترة ( 1946م – 1985م)، والذي يحتاج الي استكمال.

وساهم التيجاني بنشاط في المناقشة العامة التي فتحها الحزب الشيوعي حول متغيرات العصر بعد فشل التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا ، ودافع في مقالاته عن المنهج الماركسي، وأشار الي أن سقوط التجارب الاشتراكية لايعني خطأ الماركسية والتخلي عنها، وأن تجديد الحزب لايعني تصفيتة وحله. كما ساهم التيجاني في اللجان التحضيرية للمؤتمر الخامس مثل : لجنة الدستور في الفترة ( 1988م- 1989م) حتي تم انجاز مشروع الدستور ورفعه للجنة المركزية، كما ساهم في لجنة اعداد التقرير السياسي، وفي لجنة اعداد التقرير التنظيمي، وقدم رغم مرضه عصارة فكره وتجربته في تلك التقارير من خلال المناقشات والملاحظات التي قدمها، وساهم في التحضير وفي هيئة رئاسة المؤتمر ، حتي تكللت أعماله بالنجاح.
وأخيرا الحديث عن مناقب التيجاني وانجازاته يطول، ويكفي أنه كان مناضلا صلبا وانسانا متواضعا يحترم الرأي الآخر، وضحي بكل حياته من أجل انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية بأفقها الاشتراكي، والتي تستهدف سعادة ورفاهية الانسان السوداني.

وستظل ذكراه والمبادئ التي ناضل من أجلها عطرة وباقية، والعزاء لرفاق دربه وكل الديمقراطيين والوطنيين السودانيين، ولاسرته وعارفي فضله.

تاج السر عثمان
2011 / 11 / 28

فيصل سعد
29-11-2011, 06:22 AM
التيجاني الطيب: مسؤول شيوعي وشيوعي مسؤول ..
بقلم: د. حيدر ابراهيم علي
ssc_sudan@yahoo.com

(1)

حين يكتب صحفي في تصريح من التيجاني الطيب:صرح مسؤول في الحزب الشيوعي أو صرح مسؤول شيوعي؛يمتلكني الغضب الشديد. واسخط علي عدم جودة صياغته،لأنه في هذه الحالة عليه أن يكتب:صرح شيوعي مسؤول. فالتيجاني لا يعرّف باضافة المنصب أو الموقع في المؤسسة،فهذا إسم؛بينما امثال التيجاني يعرّف بالصفة والخصال علي رأسها المسؤولية والالتزام،وهي التي تميزه داخل الحزب،وليس موقعه أو مهامه الحزبية.فقد تحول الرجل الي قيمة ورمز يتجاوز الالقاب والاسماء المضافة.فهو علي مستوى الشخصية والكينونة يمثل الاتساق المطلق أو هارمونية الداخل والخارج أي تطابق البرانية والجوانية،المظهر والجوهر.
هذا هو تجسيد الانسان الذي قيل عنه :أنه يفكر كما يريد،ويقول كما يفكر،ويفعل ما يقول.وقد جعل من الحياة معركة إنسانية كبرى من اجل الحق والعدل والحرية.هذه معركة نبيلة ادعي كثيرون خوضها.لذلك المهم،كيف خاض(التيجاني)
معركته وماهي أدواته وكيف استخدمها طوال حياته العامرة؟ لم يكن يقسم سلوكه وافعاله الي تكتيك واستراتيجية، بل اكتفي بالاستراتيجة فقط.لذلك،لم”يتكتك” أو يناور أو يراوغ مع الناس، ولا في السياسة،ولا في الحزب،ولا في اليومي.والعجيب أن السرية التي لفت حياته كلها وحاصرته،خرج منها اكثر وضوحا وصراحة،وقاطعا في رأيه كالسيف،مبينا مثل الشمس.والسر في هذا الاتساق هو الصدق –كلمة سهلة وفعل كتجمير الذهب.يتحايل عليه البعض بتلوينه،لذلك سمعنا بالكذب الابيض.و لكن(التيجاني) لم يعرف الكذب مهما كان لونه،فالشيوعي الحق لا يكذب لأنه واثق من امتلاك المستقبل،ولأن الصدق مفتاح كل الفضائل الاخري.ومن مفارقات السودان الذي ضحك فيه القدر،حدوث أغرب عملية مقايضة في تاريخه.فقد أخذ( الاسلاميون)من الشيوعيون طريقة تنظيمهم الحديدي،واعطوهم اخلاق سلفهم الصالح من المسلمين.لذلك،نجد عند(التيجاني)ورفاقه،الصدق والعفة،ونظافة اليد،والاستعداد للتضحية والفداء،وايثار عمر بن الخطاب. أما(الاسلامويون)فهم يكذبون كما يتنفسون،ويدلسون،ويأكلون مال النبي(ليس مجازا بل حقيقية:هيئة الحج والعمرة).
يصنفه البعض ومن بينهم رفاق له بخبث،كشيوعي اصولي.ولكنه في حقيقته شيوعي أصيل،والفرق كبير بين الجمود،وبين الإمساك بالجمرة.فقد وهب عقيدته عمرا كاملا ،أكثر من ستة عقود؛فلابد من حدوث التماهي بين الاثنين:الحياة والفكرة.ويخفف كثيرون تقييمهم للشخصية بخبث أنعم بالصاق صفة”زول صعب” للتقليل من مكارم الالتزام الصارم.وكلمة “صعب” من قاموس اللؤم والخبث السوداني.فقد يراد بها”-متزمت أو مغلق أو عدائي أو بخيل أو متعصب أو شرس أو محرج.وكل هذه الصفات ليست لها أدني صلة باخلاق وقيم،نجح لئام وخبثاء الافندية داخل وخارج الحزب،في الصاق صفة”صعب” بالتيجاني،رغم أنه هين تستخفه بسمة الطفل،لمن حرص علي معرفة دواخله.وقد عرفت تلك الصفة ليس في الندوات ومن الكتابة.ولكن من صداقته لمظفر وخالد وبشري،والذين لا يبدأ أي عيد عندهم قبل أن يباركوا لعم التيجاني العيد.طقس يتوقعه ولا يفرطون فيه،وكأنه تميمة لفرحهم بالعيد.فقد يكون صعبا كفولاذ تصعب أن تثنيه عن المبادئ والقيم التي لا تهاون ومساومة فيها مثل الصدق والحزب والاشتراكية؛وما عداها فيه نظر.

يسهل (التيجاني)علي الباحث مهمته في اثبات وجود المثقف العضوي(غرامشي)والمثقف الكوني-التاوي،فالأول معروف لدينا وهو الذي يعبر ويندمج في طموحات شعبه وطبقاته الفقيرة،ويناضل من اجلها خلافا عن المثقف التقليدي الذي يعبر عن طبقات غير صاعدة.وهذا هو الرجل منذ نهاية اربعينيات القرن الماضي؛وامثال هذا موجود.ولمنه اكمل عظمته، وشموخه، وتميزه،بتحوله الي مثقف كوني أو تاوي/طاوي.فقد اراد أن يكمل جدارته الحزبية والسياسية باخري اخلاقية وانسانية.ويقدم(هادي العلوى) تعريفا رائعا للمثقف الكوني أو التاوي،بأنه ذلك الإنسان الذي يتخلي الخساسات الثلاث:الطمع في المال،والجنس،والشهرة مع السلطة.وقد صدق فهذه الخساسات هي سبب الرذائل كلها،لأن الطريق اليها يمر بالجبن،والكذب،وقبول الهوان.ولم تكبل (التيجاني)الخساسات الثلاث.فهو لم يسعي لامتلاك المال،لأنه يدرك أن المال هو الذي يملك المرء حين يحفظه ويحرسه،ويلهث خلفه.وهو مع زواجه الاسري،تزوج الشيوعية زواجا كاثوليكيا بلا فكاك،ولم يترك الحزب في قلبه مكانا لغرام أوعشق أخر.أما الخساسة الثالثة فلا تقرب من عاش تحت الأرض سنوات اكثر من التي عاشها علي ظهرها علنا.وقد كان حسن الحظ،إذ لم يكن له ملف أو فائل في أي مؤسسة حكومية أو خاصة للعلاوات والترقيات عدا ملف الأجهزة الأمنية.

( 2 )

تبدو هذه الشخصية أقرب الي المعجزة أو الملائكة،فهل يوجد ابن آدم واقعي بهذه الخصال؟وقد يدرج هذا الحديث ضمن:اذكروا محاسن موتاكم مع قدر من المبالغة أو أن يوم شكر(التيجاني)قد جاء،فيحق لنا أن نسرح ونمرح في المناحات والمدح بلا كابح أو رادع.لاتوجد أي مبالغة،وكل الذي يقال من صفات هي دون ذلك الرجل.ورغم أنني لم أكن صديقا شخصيا لصيقا له،ولكن هذا لا يمنع أن تدرك القيمة-الرمز التي تجبرك علي الاحترام والانصاف مهما كانت المسافة الفاصلة.وقد تكون في هذه الحالة اكثر موضوعية.فقد كانت تساؤلات تقلقني،مثل:كيف ظهرت مثل هذه الشخصيات في بلد مثل السودان يرزح تحت جبال من التخلف؟كيف كانت تنشئته وتكوينه؟من أين اكتسب هذه القدرة الاسطورية علي الصمود لرفع صخرة سيزيف التي تسمي السودان،وكلما ارتقي بها هو واصحابه درجات،جاء بكباشي أو عميد مهووس واسقطها في القاع مجددا؟وكيف لا تراوده ورفاقه وهم في شالا أو سواكن،لفحة يأس زغلولية:ما فيش فائدة؟

يمثل (التيجاني) جزءا من ظاهرة عامة هي:الشيوعيون السودانيون،وفي داخل الظاهرة حالة شديدة الخصوصية هي شخصه وشخصيته انتجتها شروط أن تكون شيوعيا عام1948 وفي السودان.شذوذ المكان والزمان ،هول التحدى وعظمة الاستجابة.كانت الجرأة الأقرب الي الجنون أن تخرج طليعة من الشباب تدعو للشيوعية،في بلد يرزح تحت الطائفية، وشبه الاقطاع،وذيول الرق،والفقر والمجاعات،والسخرة ونظام الشيل؛هذا علي المستوي السياسي والاقتصادي.أما اجتماعيا وثقافيا،مازال سائدا الختان الفرعوني،والشلوخ،ودق الشلوفة، والبطان.وتلبس النساء الرحط والقرقاب والكنفوس؛ويأكل الناس ملاح ام تكشو والجراد والفئران.ويتحدثون في مثل هذه المعطيات من الفقر والجهل والمرض أو الثالوث الذي يردده المثقفون؛عن الصراع الطبقي، وديكتاتورية البروليتاريا،والمرتد كاوتسكي،والمنشقة روزا لوكسمبورج.وهذا موقف شديد الالتباس،يراه البعض غير ماركسي لأنه غير عاكس للواقع.وهذا نقد غير دقيق،لأن الماركسية لا تقف عند تفسير العالم بل تغييره.بالتأكيد لا يحدث التغيير بالارادوية أي نتيجة ارادتنا الذاتية،ولكن هل من الممكن تسريع الثورة؟البعض يري أن الازمة الثورية في روسيا في اكتوبر عام1917،ناضجة تماما ولكن قدرات لينين والبلاشفة،كانت حاسمة.لم يقوموا ب” دفر” التاريخ الي الأمام،ولكنهم عظموا من دور الفكر والتنظيم في الثورة.هذا رأي ينفي عن الرواد الشيوعيين الاوائل الدونكيشوتية والتسرع،خاصة وأنهم لم يكونوا ينوون اقامة دولة شيوعية في هذا البلد المتخلف بل هم في حقيقة أمرهم ورغم تحرر وطني وتحديث.ولكن الطائفية والاخوان المسلمين ومعهم البريطانيون،في مرحلة تفاقم الحرب الباردة،تحالفوا في عملية خلق العدو:الخطر الشيوعي.وحولت القوى الرجعية والاستعمارية المعركة السياسية –الثقافية الي اخري دينية-عقدية لارهاب وعزل القوى الجديدة الصاعدة.وضمن هذا العداء والحصار تربي(التيجاني) ورفاقه وتم تعميدهم بالنار.ففي وسط هذا الجحيم كانوا يناضلون في قلب معركة الحداثة.تصور في مثل هذا المجتمع ركد طويلا وكأنه لم يغادر عام 1504حين اتفق عمارة دونقس مع عبدالله جماع.لقد اجترحوا مغامرة تأسيس المنظمات الحديثة:اتحاد نقابات السودان،الاتحاد النسائي،اتحاد الشباب،اتحادات المزارعين في الجزيرة وجبال النوبة نعم جبال النوبة.ومازلت حين أقرأ كتاب كامل محجوب:تلك الأيام،عن تأسيس اتحاد المزارعين في الجزيرة،شعرة جلدي تكلب.خاصة حين يحكي قصة القميص الواحد الذي يغسله بالليل ليلبسه الصباح.وهو الذي كان يمكن أن يكون افنديا ببدلة وبرنيطة.هذه هي تضحيات السلف الصالح والكادح،وقد كان التيجاني في قلب المدرسة أو المصهر للأسف،السودانيون دائما يبخسون اشياءهم.

(3)

تصاعدت حملة الرجعية الصليبية،وكانت تنوي التبكير بمسرحية شوقي محمد علي في معهد المعلمين العالي عام1965.ففي3/10/1954،نشرت صحيفة”الايام” الخبر التالي:-” أن منشورات قد وزعت في العاصمة وأرسلت لبعض الناس بالبريد تهاجم الدين الإسلامي وتنادي بحياة الشيوعية”.ونتيجة لذلك نظمت حملة في بعض المساجد،وطالب بعض الخطباء بهدر دم الشيوعيين.ولكن في ذلك الوقت بعض الحكماء في البلاد،قبل أن تغزو الانتهازية البلاد والاخلاق.فاسرع السيد عبدالرحمن المهدي بدرء الفتنة.وبعد أكثر من عشرين عاما تآمر اسماعيل الازهري،والصادق المهدي،وحسن الترابي،علي الديمقراطية وليس علي الحزب الشيوعي.فقد قاموا بطرد نواب انتخبهم مثلما انتخب من طردوهم.هنا كان اغتيال الديمقراطية الثاني،بعد التسليم والتسلم في 17 نوفمبر1958. وكانت سانحة لكي يرد عبدالخالق محجوب أصالة عن نفسه،ونيابة عن التيجاني الطيب وكل السلف المناضل.وكتب مقالا عنوانه:كيف أصبحت شيوعيا؟يقول فيه أنه بعد الحرب العالمية ومع صعود الوعى الوطني،انتطم مثل غيره من الطلبة المتحمسين في هذه الحركة علي أمل المساهمة في تخليص وطنه من النير الاستعماري.ويضيف:-”تحدوني حالة الفقر والبؤس التي كان ومازال يحس بها جميع المواطنين االمتطلعين الي مستقبل مشرق ملئ بالعزة والكرامة”.وتعلقت آمالهم علي زعماء الاحزاب ولكن هذه الآمال تضاءلت،مما اجبر الشباب علي البحث عن بديل لأن الزعماء-حسب رأيه-لا يحملون بين ضلوعهم نظرية سياسية لمحاربة الاستعمار.وهداه تفكيره الي النظرية الماركسية التي نشأت خلال تطور العلم.وعرج الي موقفهم من الدين قائلا:-”لم اتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثا في الاديان،ولكن لأنني كنت ومازلت أتمني لبلادي التحرر من النفوذ الاجنبي(…)اتمني واسعي لإسعاد مواطني حتي تصبح الحياة في السودان جديرة بأن تحيا-ولأنني اسعي لثقافة نقية غير مضطربة تمتع العقل وتقدم البشرية إلي الأمام في مدارج الحضارة والمدنية.”ولهذه الغايات النبيلة وهب عبدالخالق والتيجاني ورفاقهم الآخرون،كل بطريقته، حيواتهم راضين.ليس في فكرهم صراع مع الدين والإيمان،بل ببساطة:جعل الحياة في السودان جديرة بأن تحيا!هذا هو المطلب والأمل حتي اليوم.

(4)

تبلورت الفكرة،ليبدأ (التيجاني)والكثيرون من رفاقه ملاحم الجهاد الأكبر،بعد أن أنجزوا الجهاد الأصغر:وضوح الفكرة والرؤية.وكانت البداية في مصر:نضال وغربة لشباب غض واخضر ولكن حديد الإرادة لا يرتضي بغير المستحيل بديلا.وكانت التجربة في مصر خصبة ورائعة،ومفعمة بالتحدي،معلمة ومثقفة(بكسر اللام في الأولي،وكسر القاف في الثانية).فمصر بلد أكثر تقدما وخبرة،فتعلم (التيجاني)ورفاقه من المصريين مع الشيوعية حب الحياة(العمل مصر كان في الأصل حلواني)،والصبر والمثابرة،واللعب بالبيضة والحجر مع الطائفية والرجعية والابتلاء الاخواني(كم قد قتلت وكم قد مت عندهم ثم انتفضت فزال القيد والكفن)،والانفتاح علي العالم والدنيا(هنري كورييل،الاغاريق،الأرمن،اليهود،الشوام).آمنوا بشعار وحدة النيل،فكانت مدرسة اخري في التضامن،والتضحية،والرفاقية؛يكتب(التيجاني) في شهادة عن الشيوعي المصري احمد رفاعي:-” إن الإيمان بمبدأ الكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني والإخلاص له،والعمل وفق مقتضياته من سمات الوطني الأصيل.تغيرت الظروف،ولكن ذلك المبدأ،وبدون أي تقليل من الالتزامات المستجدة،يبقي الحاجة الموضوعية لتحقيق أهدافهما ومصالحهما الثابتة”.(احمد رفاعي:يساري متميز، القاهرة، دار الثقافة الجديدة،2000:115).
كانت علاقات كفاح مشترك وليست مزارع مشتركة واستثمارات مفردة.وبالمناسبة(احمد الرفاعي)هو الذي رافق جثمان المناضل السوداني صلاح بشري من القاهرة الي عطبرة.ويحكي (رفاعي) عن رفيق الزنزانة،حين جاءه خبر وفاته:-” احسست بالمأساة،صلاح كان زميلي في مدة السجن..صلاح بشري ابن السودان،طالب الهندسة .. المريض بالسل..الممنوع عنه الدواء حتي يركع..صلاح المرح الذي يعيش في مصر كما كان في السودان.كل من رفاقه يناديه يازول.يضحك يرقص.يغني الالحان السودانية في بساطة ومرح..صلاح ابن عطبرة”.ويتذكر اكثر:-” ..ياللفظاعة لقد كان صلاح معي في السجن منذ مدة قصيرة. رأيته..وهو ينزف دائما من صدره..سمعته وهو يكح حتي يوشك صدره أن يتمزق.تذكرت معاركنا في السجن من أجل الوصول الي تركيب زجاج لمنع البرد في شهر يناير.اعتصامات في السجن من أجل السماح له بكوب من الحليب.وتذكرت..ادارة السجن وهي ترفض بحجة أن ذلك ليس مدرجا في اللائحة”. (ص130) وصلاح امتداد وصورة اخري للتيجاني وعبدالخالق،وصل بها الدهر الي مداه.وكان من الممكن أن يكون أيّ منهم صلاحا.فقد تعرض(التيجاني)في ذلك الوقت للسجن نفسه.ويقول(مبارك عبده فضل):-”…إنما كانت هناك ظاهرة ملفتة للنظر،هي انفراد تنظيم حدتو بوجود عناصر سودانية ضمن معتقليها في الهايكستب أذكر منهم:التيجاني الطيب،عبدالرحمن عبدالرحيم الوسيلة،عبده دهب،سوداني جنوبي كان اسمه:تيدي لاركث جيمس(؟)”.(كتاب: الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني-حدتو.القاهرة،دار الثقافة الجديدة،2000:20)وكان يتعرض لنفس المعاملة التي اودت بحياة(صلاح بشرى)ولكنه عاش من قل الموت-كما يقول الفلسطينيون.لم يكن موتهم سهلا،فهم الذين ينشدون قصائد كمال حليم في صلاح بشرى،مغرب كل يوم عند التمام:-

بين صخر وحديد واعاصير وسل
وقيود وسدود قتلوا منّا بطل

هذه هي مدارس(التيجاني)ويخطئ من يظن أنه تعلم الشيوعية في مدرسة الكادر فقط.هذه هي المعارف والتجارب الذي جعلت منه المثقف الكوني الذي ركل كل خساسات الدنيا وينافس اعظم الصوفيين دون أن يكون ممسكا بمسبحة أو مرتديا رقعة.فهو من فصيلة إنسان المستقبل:الشيوعي المسؤول، والسلف الصالح،والتاريخ اليقظ،وحلم البشرية الممكن منذ افلاطون: العدالة والحرية ..

فيصل سعد
30-11-2011, 06:33 AM
المنصور جعفر
الحوار المتمدن - العدد: 3557 - 2011 / 11 / 25 - 08:15
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية




لا حول و لاقوة إلا بالله العلي العظيم .... إنا لله و إنا إليه راجعون ..

القائد الحزبي الشيوعي السوداني الأستاذ الكبير / التيجاني الطيب ليس ممن يغيبهم الموت بأي شكل، فنضاله للمستضعفين في الأرض نضال كأشعة الشمس سرمدي المعاني ..

نضالات الأستاذ الكبير التيجاني الطيب منذ أربعينيات القرن العشرين و حتى رحيله يوم 23 نوفمبر سنة 2011 كانت براً بالطبقة العاملة والشعب والوطن ورحمة للعالمين..

1- ناضل ضد الإمبريالية و الإستعمار، وكل أشكال التسلط و الإستغلال العالمي، منذ إشتراكه في تأسيس الجبهة المعادية للإمبريالية و الإستعمار أوائل الأربعينيات..

2- ناضل ضد الإستغلال الإقليمي في وادي النيل سواء في الكفاح المشترك و تأسيس اللجنة الشعبية المصرية للطلبة و العمال و الفلاحين و الجنود أو في تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني و الحزب الشيوعي السوداني، أو لجهده في كل هذه المؤسسات وغيرها في الدفاع عن حق السودانيين في تقرير مصير السودان ..

3- على مستوى الوطن و طبقاته و أقاليمه كان مناضلاَ ضد الرأسمالية و الإستعمار الحديث و التسلط المركزي ومناصراَ الحقوق النقابية و إنتفاضات الهامش، وحق جنوب السودان في تقرير مصيره إلى جهة الوحدة ..

4- ناضل لتساو المواطنين في الحقوق والواجبات العامة رجالاً ونساءً ..

5- ناضل لوحدة الأجور والأعمال (الأجر المتساو للعمل المتساو) مناهضاً التمييز القانوني السلب ضد المواطنين الجنوبيين و ضد النساء ..

6- أسهم في نشر و تثبيت حقوق المرأة في العمل وفي التعليم ..

7- ناضل لحقوق القوميات و المناطق المهمشة، و وقف ضد العنصرية القبيلية والدينية ..

8- ناضل لحقوق الطلاب و الشباب و العمل الإجتماعي، و تقدم الحياة الثقافية والمدنية ..

9- وقف مع الإدارة الحديثة الديمقراطية الشعبية لشؤون السودان بعيداً عن العنصرية الطائفية و القبيلية و الدينية ..

10- كان مناضلاً جسوراً لحقوق التعبير و التنظم و العمل الصحافي و النقابي و السياسي و الإجتماعي، تعرض في ذلك للتضييق والمطاردة والإعتقال والسجن ..

11- مناضل لإستقلال القضاء و سيادة حكم القانون على جميع الناس و تساويهم أمام وجوب تنفيذ أحكامه ..

12- منظم و معلم و قيادي أممي في مجال تكامل المادية الجدلية و المادية التاريخية، و النضال الشيوعي و الوطني ..



هذا غيض من فيض التيجاني الطيب، صاحب العبارة الجزلة والمعاني الوافية والنظرة الثاقبة و العطوف و البسمة الصافية..


فللسودان و للحاجة فتحية و لعزة و سهير و أميرة و لمحمد و لجيرانه الأفاضل في مدينة "الثورة" أرقى أوسمة النضال ..

أما لأخيه العم مختار و لعموم آل الطيب و العمراب و كل أحلام الطبقة العاملة والوطن، فزهرة البستان ..



ألم يك هو الذي زئر في أول الثمانينيات أمام بعض قضاة السلطان:

((ليست هذه اول مرة اواجه فيها القضاء، فانا مناضل منذ الصبا الباكر، اي قبل اكثر من أربعين عاما، و الفضل في ذلك يعود الى أبي و معلمي الذي كان قائدا لثورة 1924 في شندي و ظل وطنيا غيورا حتى وفاته قبل شهور، كما يعود الى جيلنا العظيم جيل الشباب الذي حمل على كتوفه القوية أعباء نهوض الحركة الوطنية و الديمقراطية الحديثة.

انني اعتز بانني كنت من المبادرين و المنظمين البارزين لاول مظاهرة بعد 1924 وهي مظاهرة طلاب المدارس العليا في مارس 1946، وأعتز بانني كطالب في مصر أديت نصيبي المتواضع في النضال المشترك مع الشعب المصري الشقيق ضد الاستعمار وحكومات السراي والباشوات ونلت معه نصيبي المتواضع من الاضطهاد باعتقالي سنة و قطع دراستي، واعتز بانني شاركت مع رفاق اعزاء في كل معارك شعبنا من اجل الحرية والتقدم الاجتماعي والديمقراطي، وقمت بدوري المتواضع في بناء الحركة العمالية و تنظيماتها ونقاباتها، والحركة الطلابية و اتحاداتها.

اعتز بانني في سبيل وطني و شعبي: شردت واعتقلت و سجنت ولوحقت و انني لم اسع الى مغنم ولم اتملق حاكما و لا ذا سلطة و لم اتخلف عن التزاماتي الوطنية، كما اعتز بانني ما زلت مستعدا لبذل كل تضحية تتطلبها القضية النبيلة التى كرست لها حياتي، قضية حرية الوطن و سيادته تحت رايات الديمقراطية والاشتراكية.

لست اقول هذا بأية نزعة فردية فانا لا اجد تمام قيمتي و ذاتي وهويتي الا في خضم النضال الذي يقوده شعبنا و قواه الثورية، الا كمناضل يعبر عن قيم و تطلعات وأهداف ذلك النضال، الا عبر تاريخ شعبنا ومعاركه الشجاعة التى بذل ويبذل فيها المال و الجهد والنفس دون تردد في سبيل الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، انني جزء لا يتجزأ من هذا التاريخ المجيد وهذه القيم و التطلعات النبيلة.

ان هدف السلطة من تقديمي لهذه المحاكمة ليس شخصي بالدرجة الاولى وإنما مواصلة مساعيها لمحو التاريخ الذي أمثله والتطلعات التى اعبر عنها.. و لكن هيهات. وشكرا على سعة صدركم. ))


كان بنضالاته في الحياة السودانية وفي الحياة الشيوعية مثالاً حياً للإنسان الجديد.

فقومي يا أمة أنجبت النضال
هذا التيجاني الطيب في نعشه
قومي أنظري كيف تسير الجبال

عبدالمنعم الطيب حسن
01-12-2011, 03:27 PM
ويا للحزن على الوطن
الذي مازال مكبلا
ومظلما
وتغادره المصابيح النيره
المنيره
ستينا عاما
وقد تزيد
والرجل في مقدمه الصفوف للدفاع عن الحريه والعداله والتقدم لشعبنا
يا له من مقدام
الثوره مستمره
وسننتصر

سيد احمد محمد علي المامون
01-12-2011, 07:01 PM
تجاني الطيب بابكر .. صناعة الشجاعة والثبات في زمن الوجبات السريعة

كُتب يوم 26.11.2011 (http://www.sudanjem.com/2011/11/%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%83%d8%b1-%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ac%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a8/) بواسطة jem
الحركة الشعبية
تجاني الطيب بابكر .. صناعة الشجاعة والثبات في زمن الوجبات السريعة
خلسة رحل الاستاذ والمناضل الكبير التجاني الطيب بابكر أحد الاباء المؤسسين للحركة الديمقراطية التقدمية السودانية وأحد الكبار المنحازين للفقراء والمحرومين والمهمشين. والتجاني الطيب صنوا للثبات والجلد ومضاء العزيمة أنسان رفيع لايخطي في معرفة القضايا العادلة أو معرفة خصومه . لم يتزحزح أو يتلجلج في صيف السياسة السودانية او خريفها منذ قاهرة المعز في منتصف الاربعينيات لم يحفل بذهب المعز او سيفه . وهو من منظومة وعقد فريد من الرجال والنساء الذين شقوا عصا الطاعة عما هو سائد في أزمنة عصية على شق العصا.
يكفي تجاني فخرا أن رفقته الممتازة ضمت عبدالخالق محجوب وعبدالرحمن عبدالرحيم الوسيلة والجنيد على عمر وعزالدين على عامر والجيلي عبدالرحمن والانسان العصي على النسيان عبده دهب حسنين وبقية رفاقه . ومن شعب مصر ومناضليه رافق ذكي مراد ومبارك عبده فضل ومحمود امين العالم ومحمد عباس سيد احمد واسماعيل صبري عبداللة. وتمتع التجاني الطيب بصداقة واحترام قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان -جنوبين وشمالين - وعلى راسهم المفكر والزعيم جون قرنق دي مابيور اتيم.
والتجاني الطيب هو مثل الطلقة المصوبة من قناص ماهر لاتخطي هدفها مطلقا, وظل على الدوام مثالا للاستقامة والاخلاص في القضايا الوطنية ولا غرو في ذلك فوالدة الطيب بابكر كان في معية الزعيمين على عبداللطيف وعبيد حاج الامين .
والاستاذ التجاني الطيب مدرسة في العمل الصحفي والحزبي الملتزم وذو مقدرة فائقة على صياغة وكتابة المواقف السياسية الرصينة وهو أحد اساتذة جيلناوالاجيال التى تلت تاسيس الحركة الوطنية الحديثة ضد الاستعمار البريطاني.
وأناسا مثل تجاني الطيب ومحمود محمد طه والحاج مضوي محمد احمد وجون قرنق دي مابيور ويوسف كوة مكي والحاج نقدالله (متعة اللة بالصحة والعافية) وأمثالهم يقدمون نموزجا لاغنى عنه لاجيال المستقبل في الثبات والاقدام والالتزام السياسي والاخلاقي عالي الكعب والهمة في تضاد مع ثقافة الوجبات السياسية السريعة .
وتتوجة الحركة الشعبية في شمال السودان قادة وقواعد بالتعازي الحارة لاسرته وأصدقائه ومعارفة وحزبه الشيوعي ولكافة الوطنيين السودانيين الذين يعز عليهم رحيل الاستاذ التجاني الطيب .
وانا لله وانا اليه راجعون.
ياسر عرمان
الامين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان


.....

فيصل سعد
09-12-2011, 08:42 AM
ورحل زيت قناديلنا

الزمان: آواخر سبعينات القرن الماضي.
المكان: أرض الحجر في حي الديوم الشرقية بالخرطوم.

كان يعيش بسيطا أنيقا ككل سكان الحي، في منزل بسيط، نظيف ومرتب دائما، تكاد لا تجد فيه ذبابة، رغم أن الذباب يعشق ذلك الحي، عشقا ممنوعا. سكان "المربوع" كانوا ينادونه الأستاذ طه أبوزيد. بعد إنتفاضة أبريل 1985، حدثني صديق من أبناء الحي، بأن السكان نادوه بالاستاذ لأنهم، ومنذ قدومه للسكن وسطهم، إكتشفوا فيه حصافة وعلم الأساتذة، وحكمة وقدرات المربين على حل المشاكل والتوفيق بين الخصماء، إضافة إلى نظافة وأناقة الملبس والمظهر. كانوا يستنجدون بالأستاذ طه للتدخل متوسطا في تلك المشكلة الأسرية أو ذاك الشجار بين الجيران. وكان الحل دائما بين يديه، يأتي بسيطا ومقنعا. " لكنه أبدا لم يكن يتحدث معنا في السياسة إلا التعليقات العامة التي نشترك جميعنا في الإدلاء بها."، هكذا حدثني ذاك الصديق.
في ذات مرة، حضرت إلى منزل الاستاذ طه، بعد حلول الظلام مباشرة. وبدأنا العمل في تنفيذ تكليف هام، مطلوب أن نسلمه في الغد. فجأة علت أصوات شجار من منزل الجيران. بدأ صوت شاب مخمور يكيل السباب ويهدد ويتوعد. قال لي الاستاذ طه "إن هذا الولد، والذي توفى والده قبل عدة سنوات، تعلم مؤخرا شرب الخمر، وظل يوميا يعذب أمه العجوز ويطالبها بالمال ليبدده في شرب الخمر، مع إنه في النهار، أو عندما لا يعاقر الخمر، يكون واعيا ومهذبا وودودا.". وبعد أقل من نصف ساعة، ارتفع صوت الأم تنتحب وإبنها يواصل هذيانه. وفجأة انتفض الأستاذ طه واقفا، ولبس جلبابه الأبيض النظيف "المكوي" ووضع عمامته على رأسه وكأنه في طريقه إلى حضور عقد قران، وخرج بسرعة البرق من المنزل دون أن يعطيني فرصة حتى للتساؤل. سمعت صوته في منزل الجيران وهو يعنف الإبن ويذكره بضرورة البر بأمه ورعايتها وليس تعذيبها. وإستمر الحديث لفترة طويلة، ثم رويدا هدأت الأصوات، وبدأ كلام خافت تتخلله تخنجات الإبن وهو ينتحب متأسفا ومقسما ألا يكرر ذلك. عاد الاستاذ طه وبادرني قبل أن أنطق بكلمة: "طبعا حتقول هذا خرق لقواعد التأمين، ياخي فليذهب التأمين إلى الجحيم، إذ من المستحيل تحمل وتجاهل "مسخرة" هذا الولد التي تتكرر كل يوم، وبكاء أمه تحسرا على ضياع إبنها". فيما بعد علمت أن ذاك الإبن أصبح صديقا حميما للأستاذ طه. وبالمناسبة لم نتمكن من إنجاز ذاك التكليف في تلك الليلة.

وفي إحدى صباحات الخريف المنعشة، والتي لا يخدشها سوي قصور أداء حكومات السودان المتعاقبة منذ الاستقلال في الإستعداد لدرء آثار الأمطار، ذهبت إلى منزل الأستاذ طه، بعد أن روت سماء البارحة الأرض مطرا مدرارا. كان واضحا أن المطر أطفأ ظمأ أرض الحجر وفاض، فكانت "الفسحة" وسط منازل الحي، عبارة عن بحيرة مغلقة المنافذ بدون أي تصريف للمياه مما يهدد المنازل وصحة البيئة. وفعلا، يبدو أن قصة مجاري تصريف المياه هذه في السودان لن يكتب لها الحل الناجع إلا يوم أن تحل الأزمة العامة في البلد. في ذلك الصباح، رأيت جمعا من سكان حي أرض الحجر في الشارع يحفرون الأرض مجاري لتصريف المياه. ومعهم كان الأستاذ طه أبوزيد، يرتدي بنطال جينز، ممسكا بطوريته يحفر مع الجميع، وهم يتبادلون الضحكات والقفشات و"التقريقات". في تلك اللحظة، خطر على ذهني السؤال المتوقع: ألا يبالي هذا الرجل إن إنكشف أمره وتم إعتقاله؟ أعتقد أن الأستاذ طه أبوزيد كان مدركا تماما لكل العواقب والمخاطر، ولكنه كان يرى في الالتحام بالناس البسطاء ومشاركتهم همومهم اليومية، وتقاليد حياة التكافل السودانية السمحة، كان يرى في كل ذلك أولوية تفوق أي تعقيدات تفرضها المحاذير الأمنية. وفي مرة أخرى، حضرت إليه مساءا ووجدته يعد العدة للخروج، وعندما سألته قال لي "طفل (ع.ه) مريض وهم الآن في حوادث الاطفال وأنا قلقت جدا عليهم وكنت بصدد الحضور إليك في المنزل حتى تذهب إلى المستشفى ونطمئن". لم تكن معه عربة، ولكنه إعتاد الحضور إلي في المنزل قاطعا المسافة من أرض الحجر إلى آخر إمتداد الدرجة الثالثة راجلا! فعل ذلك عشرات المرات ولأسباب مختلفة، من بينها مثلا، لمجرد المباركة لزوجتي بمولودتي الأولى "عزة".

في ذلك المنزل البسيط النظيف كمنازل العمال، كان الأستاذ طه أبوزيد يطبخ أكله بنفسه. وللدقة كان "يسلقه" إذ كان يرى الأكل المسلوق أكثر صحة لمن هم في وضعه. وعندما يعلم أني سأزوره، كان يدخل بعض التحسينات على الأكل، رأفة بي. وكان يشتري الخبز كل أسبوع ويخزنه في فريزر الثلاجة، علما بأن حصته اليومية من الرغيف لم تكن تزيد على ثلاثة أنصاف رغيفة، يأكل نصف رغيفة فقط في كل وجبة. تعشيت معه ذات ليلة، فول بالجبنة، وكان "مظبطا" جدا. أكل هو نصف الرغيفة المعتادة، ولكني اكتشفت أنني قضيت على كل ما تبقى من مخزون الاسبوع من الرغيف! وكان لابد أن آتي له برغيف بديل في اليوم التالي.

ملحمة الجانب الإنساني من حياة الأستاذ طه أبوزيد وهو يعيش في التخفي آنذاك، كثيرة التفاصيل، ووحدها فقط يمكن أن تملأ كتابا كبير الحجم، ناهيك عن تفاصيل ملحمة حياته النضالية الصلبة الممتدة في خط مستقيم دون تعرجات منذ أربعينات القرن الماضي وحتى رحيله بالأمس القريب. والكثير يمكن أن يستشف من تلك التفاصيل، لكني هنا أركز على أثنتين فقط: الأولى: بالنسبة لسكان منطقة أرض الحجر، لم يكن يهمهم إن كان ذاك الرجل إسمه الأستاذ طه أبوزيد أو الأستاذ التجاني الطيب، فقد كان يهمهم ويكفيهم الرجل نفسه الذي مثل لهم الشهامة والنخوة ودفء الأبوة، وطيبة الجيرة، وحكمة المربي الجليل، وسائر سمات الانسان وجمال قيمه المذكورة في قصص الأنبياء والمتصوفة. والثانية: كان الأستاذ التجاني، أو طه أبوزيد إن شئت، يؤمن تماما أن خير حماية من عيون أجهزة الأمن هو السكن في حدقات عيون الناس، وهو سكن يصعب توفره أو إمتلاك ثمنه إلا لمن يجعلون قيم العدالة والحرية وتوفير الحياة الكريمة للناس وتحقيق طموحاتهم، همهم الأول وفوق همومهم الشخصية، والأستاذ التجاني الطيب إمتلك سكنا مريحا وفاخرا في تلك الحدقات.

في العام 1980 إعتقل الاستاذ التجاني الطيب، وكان جاره في الزنازين الكائنة في سطح سقف مبنى جهاز الأمن، الأستاذ الباقر أحمد عبدالله، رئيس تحرير صحيفة الخرطوم حاليا. وبعد فترة من ذلك الإعتقال قابلت الأستاذ الباقر، وما أن رآني حتى صاح منفعلا " هل تدرك أن الاستاذ التجاني قد انقذ حياتي من موت محقق؟" ثم شرح لي كيف أنه مصاب بالربو "الأزما" وأنه أصيب بنوبة خطيرة أثناء تواجده في الزنزانة، حيث داهمه ضيق النفس الحاد، فكان يئن طالبا من الحرس إخراجه والذهاب به إلى المستشفى، ولكن لم يستجب الحرس. ثم سمع ساكن الزنزانة الملاصقة له يدق في الحائط ويعرفه بأنه التجاني الطيب، ويسأله "ما هي المشكلة؟". يقول الأستاذ الباقر "أن الأستاذ التجاني عندما علم بتدهور حالتي الصحية، زأر بقوة وكأنه الأسد، وأخذ ينادي الحرس لينقلوني إلى المستشفى، وهو في نفس الوقت يصيح فيهم بغضب شديد ويحملهم مسؤولية أي مكروه يحدث لي، ويتوعدهم بعقاب الشعب" ويواصل الاستاذ الباقر حديثه لي "لم يتوقف الأستاذ التجاني لحظة واحدة عن الصراخ في وجه الحرس....، ولدهشتي جاء الحرس مرتعدا مرتجفا، وبدأ بعضهم يهدي الأستاذ التجاني ويتأسف له، والآخرون حملوني بالاسعاف إلى المستشفى....وقال لي الطبيب إذا تأخرت دقائق ربما كنت ستفارق الحياة".

ما يقرب من الإثني عشر عاما، عشتها مع الأستاذ التجاني الطيب في القاهرة. كنا نلتقي كل يوم تقريبا، صباحا ومساء. وكل يوم كنت أكتشف جانبا مشرقا آخرا من الاستاذ التجاني الانسان، وجديدا علي، رغم أني كنت لصيقا بالرجل منذ السبعينات. وإذا أردت تناول الجوانب الإنسانية وحدها، ناهيك عن السياسية، في حياة الأستاذ تجاني خلال تلك الفترة التي عاشها الرجل في القاهرة وأسمرا والمعسكرات، لكان علي تدبيج المئات من المقالات كبيرة الحجم. يكفي أن أقول هنا، أن كل أطفال منطقة سكنه في حي رابعة العدوية بمدينة نصر بالقاهرة يعرفون "عمو تجاني" الذي لا تخلو جيوبه من الحلوى. أما الكبار، وأغلبهم من المهنيين وضباط الجيش من المصريين، فعندما يتحدث الاستاذ تيجاني يصمت الجميع ويصتنتوا في إحترام وتقدير لقيمة كلمة الرجل. والحديث هنا ليس يالضرورة في السياسة، أو في الغالب هو ليس في السياسة. فالأستاذ تجاني كان يعلم جيدا متى وأين يتحدث بالسياسة. يقول لي الدكتور منير، صاحب الصيدلية في العمارة التي كان يسكن بها الأستاذ تجاني، في دهشة وإعجاب، أن تجاني كان مهجسا جدا أن يعود إلى السودان في صندوق...كان يريد أن يرى تراب البلد قبل الرحيل.

كان الأستاذ التجاني الطيب بالنسبة لأوساط السودانيين في القاهرة، هو المفكر والكاتب والصحفي والزميل والسياسي الدوغري. ولكن بالنسبة لي، كان أيضا معلما وصديقا صدوقا ووالدا حانيا. هذا الرجل، وضىْ الابتسامة، علمنى كيف أن التعلق بقضايا الانسان الكبرى، ليس طيش شباب أو مجرد مزاج، أو تهرب من اعباء المسئولية الفردية الخاصة. كان همه اليومي، وهو الذى تشرب باكرا معانى العدل الذى يسع الجميع ولا يستثنى احدا، هو كيف نحقق للملايين من الكادحين فى كل ربوع السودان حلمهم بالعيش الكريم. وحياة الرجل اليومية تكشف عمق العلاقة بين الحلم والواقع، بين الفكر والممارسة العملية. اكثر انطباعاتى عن ايام إختفاء الاستاذ تجانى الطيب، هو النظام والترتيب المدهش لشكل حياة مؤقت وعبثى ومحزن، والصرامة المبنية على تقليص النفقات والمجهود والمشاوير. نظام شراء خبز الاسبوع والتنازل عن ذلك الحق البسيط (خبز طازج)، ترك فى داخلى اثرا قوىا. أما مظهر الافندى الذى احتفظ به فى كل اوقاته، فهو اشارة اخرى الى ان الاختفاء حياة كاملة الفروض ليس فيها الا ما يمنع عيون الطغاة عن ملاحقة العمل اليومى من أجل رفع الوعى بالحقوق وتثوير الاخرين. والتفرغ للعمل الحزبى لا يساوى عند التجاني إلا مزيدا من الضبط والصرامة فى التعامل مع الوقت والاحداث. عاش الأستاذ تجاني حياة لا تعرف الخنوع والاستسلام، ولا تركن للأجوبة المعلبة، ولا تعادى الفكر والرأى الجديد. كان وجوده، ورفاقه الشرفاء، في منصة النضال، هزيمة لمقولات التخذيل من اعداء الحزب، مثل "الشيوعية تعتزل بعد سن الاربعين". فقد قدم التجانى نفسه وفكره وقلمه لنشر الوعى ومفاهيم الديمقراطية والاشتراكية فى كل مراحله العمرية بلا كلل ولا ملل. وحقا، إنطبق عليه وصف دزيرجنسكي، كمناضل بارد الرأس، دافء القلب ونظيف اليد.

د. الشفيع خضر سعيد