التصنيفات
شخصيات سودانية مواضيع من المنتدى

من سحّــارة ذكــريات البلد

من سحّــارة ذكــريات البلد

 

 ود صلاح، الفيلسـوف الصامِـت

 

عكــود

P1020875 

 

تراه فلا تأبه له، ولست وحدك، فالكثير من أهل البلد لا يأبهون له. لا شئ يلفت نظرهم في ذلك الّذي يسكن طرف الحِلّة ويعيش وحده. إعرابي قاده محل الخلاء ، وبعبارة أدق الهروب من الموت جوعاً، للسعي إلى الرزق في أطراف قوز قرافي.

طويل القامة، نحيف الجسم، ولكن التجاعيد حول رُكبتيه تقول أنّه قد كان ممتلئاً ذات خلاء رويان. ما زلت أذكره، بالعرّاقي القصير الذي يتبدّى سروالاً من تحته يستر إلى حدود الرُكبة. ود صلاح قد عفاه الزمن من تخيّر ماذا يلبس هذا الصباح! وقد حُصرت خياراته في عرّاقي يتيم وسروال مهترئ، ولا بدّ أنّهما قد كانا يكتسيان باللون الأبيض المائل إلى البيج قبل أن يعتليا ذلك الجسم النحيف، فيتحوّلان إلى اللون البُنّي، أو بالأحرى اللون التُرابي.
ود صلاح لا تستطيع تقدير عُمره، لكنّه قطعاً قد تجاوز الستّين.
كما أسلفت، فإنّ من يأبه له في قريتنا لا يتعدّون أصابع اليد الواحدة، ومن ضمنهم كان أبي.
كان عفيفاً جدّاً، فلا يُزعج الناس بزيارات قد يراها مُزعجة، ورغم حبال الوُد الممدودة بينه وبين أبي، إلاّ أنّ زياراته كانت قليلة، تماماً كحديثه و كحال زاده.
كان أبي يعلم عنه ذلك. لذا كان يُرسلنا بقدح طعام لإيصاله لود صلاح في مكانه، وكان يوصينا “سلّموا علي ود صلاح، لكن لا تنتظروه حتّى يأتيكم بالماعون الفاضي”، تفسيره لذلك، أنّ ود صلاح رجلٌ عفيف، فإن أرجع الماعون الفاضي في وقته، فقد يقضي أيّام قبل أن يزرونا. أمّا إذا تركتم عنده الماعون، فإنّه لا يصبر أن يظل عنده، سيرجعه اليوم التالي، وعندها نستطيع أن نقدّم له وجبة أخرى.
أبي كان قليل الكلام كذلك، لكنّه كان كثيره في حضرة ود صلاح. لم أكن أسمع قهقاته العالية إلاّ عندما يقيّل ود صلاح معه في راكوبته. يتبادلان الحديث والطُرَف، يتغدّان سويّاً، يضحكان مليّاً، فتغتسل نفسيهما الطاهرة و يبثّان الطمأنينة في القلوب.

مُو هامّو الوِصِل كُلّ “القرير” من طَفْلُو
قام “للعجمي” قَاسَم “ودصلاح” من أكلُو*

موسم حش التُمر (حصاده) تدب الحركة في قريتنا، كما تنتعش الجيوب والآمال، يتجمّع اللقّاطين من الأعراب و الصبيان في سبايق (مزارع النخيل) مَنْ أعلن يوم حشّه. يبدأ الحش مع شروق الشمس، يطلّع القفّاز (من يقوم بالتلقيح ومن ثمّ الحصاد) النخلة، يبدأ بقطع سبيطته أوّلاً، وهي الأجر المُتّفق عليه عن كل نخلة، يرميها فيقوم زميله بجمعها، ومن ثمّ يبدأ في قطع باقي السبيط لتقوم باقي المجموعة بجمع ما تشتّت، وحمل السبيط لـ (خرتِه) وفصل التمر عنه و تعبئته في الشوّالات.
تتم عمليّة الخرت في ظلٍّ قد تمّت نظافته من الحشائش وفُرِشت شوّالات على أرضه المدكّكة.
يجلس كِبار السن من الرجال والنساء في شكل دائرة ويقومون بأخذ السبيطة، نفضها وضربها بباقي كوم السبيط، ليتساقط عنها الجاف من التمور، ثمّ خرتها.عندما يكبر كوم التمر المفصول عن سبائطه، يقوم الشباب بتعبئته في الشوّالات لتقوم الجِمال بترحيله للبيوت.
كانت هوايتنا مرافقة الجِمال إلى البيوت راجلين، و نعود ممتطين ظهورها، وتلك لو تعلمون قمّة المتعة لمن كانوا في مثل سنّنا. تستمر عمليّة حش التمُر حتّى عصراً متأخّر. ثمّ تبدأ عملية تقسيم الحق لمن شاركوا في اللقيط. كانت كيلة بركاوي هي الأجر المُتعارف عليه. تُكال لكل من شارك، فتُصَب على قفّته أو في باطن شوّال مهترئ الأطراف، بادي الخيوط وقد تحوّل زيقه الأزرق إلى لون باهت.

أمّا ود صلاح، فقد كان يختفي تماماً ساعة تقسيم الحق، وكان أبي يعلم عنه ذلك، فلا يجتهِد في مناداته. لكنّه كان يحمّلنا كيلته لإيصالها له. فلسفة ود صلاح:
” يا حاج الكامل، أنا ما بستحق لي حق. جيت، ألقّط و طول نهاري آكل في التمُر. الفطور فطرتو معاكم، الغدي إتغدّيت والشاي، بدل الكبّايي شربت لي إتنين، تاني الحق لي شنو؟” ثمّ يردف “والله ما عندي عندكم حق!”.
كم كنت عظيماً يا ودصلاح وكم كان عظيماً درساً في القناعة و اليقين تلقّيناه منك!

توفّى أبي قبل ود صلاح، ولم أعرف حُزناً على وفاة أبي أكبر من حُزنه. بعد الوفاة لم يدخل ود صلاح دارنا قط، كان يكتفي في زياراته القلية بالجلوس أمام البيت دامِع العينين مكسور الخاطر، ولم يعِش بعده طويلاً.
سَمِعت جارته أنيناً عند الفجر، وعند الصباح وجدوا ود صلاح ميتاً على تلّة الرمل المجاورة لراكوبته.
ألا رحمك الله يا ود صلاح، وقد صدق أبي عندما كان يسمّيك “الفيلسوف الصامت”.

* من مرثيّة (أبوي المات إمام) – أبراهيم آل عكود

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *