التصنيفات
دراسات نقدية مواضيع من المنتدى

بيت العنكبوت

بيت العنكبوت

النور يوسف ..

825689793

بسم الله الرحمن الرحيم

فى سبعينات القرن الماضى وإبان حكم الرئيس جعفر النميرى ، كانت شرطة الإحتياطى المركزى قوة ضاربة ، و باتت تشكل وضعاً مختلفاً بين وحدات الشرطة الأخرى ، وتبعاً لذلك اختلفت نوعية الإختيار والتدريب والمهام والمرجعية ، و عند وصول الرجل الحازم الفريق شرطة عبد اللطيف على إبراهيم الملقب بـ ( أب ساطور ) الى قيادتها ، سعى جاهداً الى ( تجييش ) هذه الوحدة فصارت أقرب الى القوات المسلحة منها الى قوات الشرطة ، ومن ثم تجاوزت مهامها التعامل الشرطى المألوف مع المظاهرات الى المشاركة فى العمليات العسكرية فى مواقع النزاع على امتداد القطر !!!!
ولعل الحادثة التى دعت الى إطلاق لقب (أب ساطور) عليه توضح أى نوع من القادة كان الرجل !!!
يقول الراوى
فى أول يوم عمل له حضر فى تمام السادسة صباحاً ، لإستلام التمام اليومى لقوات موقعه الجديد ، وكان أن تأخر بضع عشرات عن التمام (من مختلف الرتب ) وحضروا بعد أن رفعت له يوميات الحضور ، فأمرهم أن يصطفوا على مقربة منه ، و بعد أن خاطب الحضور موضحاً سياستة بكلمات حاسمة إلتفت الى الغياب وقال :-
( أما هؤلاء الغياب ،
فالمساعد رقيب أول ،، والرقيب أول رقيب ،، والرقيب عريف
والعريف وكيل عريف ،، والوكيل عريف جندى ،، والجندى مرفود !! )

-2-

إبان فترة قيادتة تم تنظيم مهرجان فى استاد الخرطوم ، بمناسبة العيد السنوى لإنشاء الوحدة ،وهو تقليد من تقاليد الوحدات العسكرية لا الشرطية ،  وشمل العرض استعراض مهارات التدريب ومدى جاهزية القوة واستعدادتها القتالية ، تمهيداً لإعادة النظر فى تسليحها بما يوازى مهامها الجديده فى مختلف بقاع السودان .
وفى حين نال العرض استحسان كل الحضور ،  كان لـجعفر النميرى ( أب عاج ) رأي آخر !!
وقال جملته الشهيرة ( أنا مش حا أسمح بوجود جيشين فى البلد )

أخلص من هذا الى القول بأن القوة يجب أن تكون ( حكراً ) على الدولة ، وهو قول نادت به كافة الدراسات والنظريات الفلسفية التى تتحدث عن نشأة وتكوين الدول على مدار التاريخ ، لذا لا يجوز بأى حال من الأحوال ممارستها خارج سلطاتها وبصورة يتعذر معها السيطرة على نتائجها ، إذ يؤدى ذلك وبالضرورة الى خلق جيوب ومراكز قوة يصعب لجمها ، ولو تتبعنا ملف القوة فى ليل الإنقاذ لوجدناه حالكاً مثله .
ففى بداية الثورة وفى حربها الجهادية فى النصف الجنوبى من الوطن إعتمد النظام على مبدأ ( الأمة المقاتلة ) خلافاً لكل الأطروحات الرصينة التى تقول بوجوب ترك المهمة لجيش محترف يؤدى دوره وفق عقيدته القتالية وتحت إشراف مباشر من سلطة الدولة السياسية.

والعقيدة القتالية هى القناعة التى تغمر بها المؤسسة العسكرية أفئدة أفرادها ، وتجيب لهم على السؤال الكبير العريض لماذا أقاتل ؟؟
ولعل الجميع يذكر كيف كانت ( العقيدة القتالية ) محل نقاش عنيف قى مفاوضات نيفاشا .

الإنقاذ منذ أن اتخذت خيار الحروب والدماء عملت على خلاف ذلك ، فتكونت فرق ( الدبابين ) وقوات المجاهدين من الطلاب والمهنيين والموظفين فقاسموا الجيش مهامه ، مما جعل من تلك الشريحة العائدة من مواقع القتال قوة موازية للقوات المسلحة لا تستشعر لها بقيمة ولا ترى لها عليها من إمتياز ، بل تبجح بعض قادتها بأنهم أفضل من الجيش الرسمى إخلاصاً وولاءً وشجاعة ،،

ثم تمادت الإنقاذ الى أبعد من ذلك ، وانتقلت ـ بغباء ـ الى مرحلة أكثر خطورة وقامت بتكوين ما يشبه الجيوش كحالتى (موسى هلال / حميدتى ) ، هذه النبوت الشيطانية من القوات تماماً كالمارد الذى نخرجه من قمقمه ، ففى حين تعود القوات المسلحة الى إرثها وتاريخها العتيد ونظمها ولوائحها وعقيدتها القتالية تعود مثل هذه الجيوب الى مزاج زعيمها ومركزه القبلى ونفوذه لدى الحكام ، يحركه الهوى ويسكنه المزاج .

و الخلل فى فهم الإنقاذ القاصر للقوة ، يمكن أن تقرأه من أحاديثم وتصريحاتهم التى لا تعرف الحياء . فالقوة هى معيار التفاوض عندهم ووسيلتهم ( فى قرارة أنفسهم ) لتداول السلطة ، فكثير من النافذين فى الإنقاذ ، بل والرئيس البشير ذات نفسه قال فى أكثر من مناسبة أنهم أتوا السلطة بقوة السلاح ومن أرادها فدونه البندقية .
وفقاً لهذا الفهم المتجذر فى دواخلهم ، والذى لا يمكن أبداً فصله أبداً عن رؤيتهم الاصيلة عملت الإنقاذ ــ فى وقت باكر ــ وهى تستميت من أجل تركيز أقدامها. وقبل أن تشهر سيف الصالح العام ـ سئ الذكر ـ فى وجه كل عدوٍ محتمل وتحت إشراف مباشر من عرابها الراحل دكتور الترابى ، عملت على تأسيس أجساد موازية لكل القوات النظامية من المواليين وذوى الحظوة ، بغية تأمين النظام وتثبيت أركانه ، مستلهمة من النظام الليبى فكرة اللجان الثورية. فظهرت على الخارطة الرسمية هذه ( الشعبيات ) الخبيثة :

1- قوات الدفاع الشعبي
2- قوات الشرطة الشعبية ،
3- جهاز الأمن الشعبى
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
4- اللجان الشعبية.
5- مجلس الصداقة الشعبية
6- المؤتمر الشعبى

كما قامت بزرع فرد من صغارها( سناً وعقلاً وتجربة ) فى كل مؤسسة من مؤسسات الدولة تعود اليه الامور وينتهى إليه وحده القرار . محطمة بذلك تراتيبية الأمر الإدارى ومحدثة جروحاً غائرة فى جسد خدمتنا الإدارية العتيق .
وسريعاً ما انتشرت هذه الأورام السرطانية فى جسد البلاد المعافى ، فزرعت الخوف فى كل منحى ، وبثت الهلع عبر الحوارى والطرقات والبيوت ، لا يكبحها قانون ولا تردها فضيلة ، وخلت ضمائر أفرادها من جنس وازع أو نوازع فدانت لها الأمور وامتلكت ناصية القرار ، تسير دفة الدولة وتوجيه بوصلتها الى أين يمسى الشيطان ويقيل .

غير أن السودان ليس بليبيا ، والخرطوم ليست بطرابلس .
تململ النيل وتكلمت أمواجه وضجت المقاهى والطرقات ، وصاح الشارع بـ (واحد ) رأسه ، ونهشت مجالس الخرطوم هذه الأجساد القميئة .
وعلى مستوى الأجهزة النظامية ، شهدت تلك الحقبة معارك طاحنه بينها وبين تلك الكيانات ، وحدثت مشادات ومنازعات سببها التداخل المربك فى الصلاحيات .
نعم كانت الغلبه لتلك الأجهزة ، وراح ضحية ذلك لفيف من خيرة الضباط ، لكنها أحدثت فتوقاً صعبت على الراتق ، وأجبرته على إعادة نسج ثوب السلطة البالى . وفى ذات الوقت كان سيف الصالح العام يعمل فى الرقاب ، تخويفاً وتشريداً وشراء ، وتمت تصفية كل من تجرى على لسانه لا النافية .
وهكذا
وقبل منتصف التسعينات ، وبعد تدجين القوات المسلحة وتركيع قوات الشرطة واستلام العناصر الموالية مقاليد الجهاز الرسمى انتقلت تلك ( الشعبيات ) الى الواجهة ، فالتحق منهم بها من التحق وتوزع على الوزارات من توزع وصارت تمارس مهامها وجه النهار حين انتفت ضرورة بقاءها فى الخفاء ،

(على المستوى الشخصى وفى أولى فتراتى بالمعتقلات ( بيوت الأشباح ) كان يتولى التحرى معى ومن داخل مبانى مكاتب الجهاز الرسمى الوزير ( البكاي) كمال عبد اللطيف وكان برتبة رائد فى ذلك الوقت )

وكما هو معلوم فقد إنزوت اللجان الشعبية لحساب ( أرزقية ) المحليات وتبخر مجلس الصداقة الشعبية ومات المؤتمر العربى الشعبى( فطيساً) قبل أن ينبت له ناب !!!

هذه المقدمة ضرورية لقراءة ( بيت العنكبوت ) للكاتب فتحى الضو .
فبدون أن ندرك فلسفة هذه ( العصبة ) ــ كما يفضل الكاتب تسميها ــ لمفهوم القوة ، ورؤيتها لكيفية بسط نفوذها عبر هياكل موازية لمؤسسات الدولة ، وسيطرتها على ما تبقى ، والتطورات اللاحقة التى حددت مصير هذه الهياكل بدون ذلك لن نستطيع تقديم رؤية نقدية عميقة للكتاب و معرفة الوزن الفعلى له .
وما إذا كان قادراً على إحداث هزة فى منظومة الأمن الإنقاذى كما يقول بذلك مروجوه ، وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نجيب على السؤال الملح ــ الذى يمكن لأيما قارئ إثارته هل حوى الكتاب أى إختراق فعلى لردهات أجهزة الأمن !!

4550614351

بيت العنكبوت ـ أسرار الجهاز السرى

لا أدرى ما إذا كان الكاتب موفقاً فى إختيار العنوان أم لا ؟
فالبرغم من أن العنوان ملائم لمحتوى الكتاب ويتسق مع أحداثه وتفاصيله إلا أنه مسبوق
فـ ( بيت العنكبوت ) عنوان لمجموعة قصصية ، للأديب سيف بن محمد المرى المدير العام لدار الصدى ورئيس تحرير مجلة دبي الثقافية وقد صدرت عن دار الثقافة الأردنية فى العام 2015م
و ( بيت العنكبوت – اعترافات قادة المخابرات الاسرائيلية) للصحفى المصري – يحي غانم – تقديم سعد الدين وهبة – دار النصر للطباعة الاسلامية 1996م
وحتى ( أسرار الجهاز السرى ) هى تعديل بسيط لعنوان كتاب العقيد هاشم أورنات ( أسرار جهاز الأسرار )
فى تقديرى أنه كان على الكاتب وضع ذلك فى الإعتبار، ومن ثم إختيار عنوان يكون من بنات أفكاره لا تعود ملكيته لأحد سواه

جاء الكتاب فى 411 صفحة من الحجم المتوسط بمعدل اثنين وثلاثون سطر بالصفحة حواياً بين دفتية المواضيع التالية حسب الفهرس
إهداء ــــــ 7
للتأمل والعظة والإعتبار ـــ 8
شعر لأزهرى محمد على ـــ 9
شعر لمحمد الحسن حميد ـــ 10
مدخل ـــ 11
توطئة ــــ 13
ويسألونك عن المصادر ــــ 27
الفصل الأول سلالة العنكبوت ــــ 35
الفصل الثانى بيت العنكبوت ـــــ 55
الفصل الثالث خيوط العنكبوت ـــ 69
الفصل الرابع الجريمة والعرّاب ـــ 115
الفصل الخامس طاحونة الموت ـــ 135
الفصل السادس الذين ذهبوا خلف الشمس ـــ 211
الفصل السابع من القاتل ــــ 233
الوثائق ـــــ257
الخاتمة ــــ 397
الملاحق ــــ 401
مراجع وأسانيد ـــ 409

وكما هو معلوم فقد سبقت الكتاب حملة تشويق وإثارة ، جعلت الكل يتسابق ويمنى النفس الحصول على نسخة منه ، ومما أجج نيران تلك الحملة عنوان الكتاب اللافت والذى يوحى بدخول المؤلف مقر الأمن كما الفاتحين ، وتأكيد مؤلفه أنه الضربة القاضية لمنظومة الأمن الإنقاذى وأن القارئ على موعد مع البث المباشر من داخل أروقة الأمن ودهاليزه الضيقة السوداء ، و على لسان مصدر خبر الجهاز عن قرب ملماً بخباياه وعملياته السرية !!!

ومن ثم ابتدر الكاتب التعريف بمصدره فى فصل ( يسألونك عن المصادر)

يسألونك عن المصادر !!
إستهل الكاتب بعد التوطئة بالتساؤل أعلاه ظناً منه أنه يؤرق القارئ ، ولا أدرى فلربما عمد فى ذات الوقت الى توضيح جهده وتأكيد صدقية ماهو بصدد تقديمه ، ومن أجل ذلك قام بتوثيق رحلة مصدره عبر المدن والسنابك وكيف واجه الموت والأمواج والبحار وقاوم الغربة والترحال وتجار البشر ، يقول المصدر عن رحلته عبر البحر من مدينة ليبية بالقرب من الحدود التونسية .

(مات الكثيرون ، سواء فى ذلك المكان البائس أو أثناء الطريق وبأسباب شتى ، خصص يومان للمركب التى يحملون فيها البشر هما الجمعة والأثنين ، كانت هناك مركب قبلنا ، ولأسباب أجهلها غرقت وعلى متنها أكثر من ثلاثمائة شخص معظمهم من السودانين ، بالطبع لم يحدثنا أحد عن ذلك فقد رأينا بأم أعيننا موج البحر يقذف الجثث على الشاطئ وكان بيننا وبين الشاطئ سلك شائك حيث لا يسمح لأحد بتجاوزه ، إعتصرنى الألم الشديد ولا يدرى هل يهتم المرء بنفسه أم بالآخرين ، عرفت معنى كل شئ ، المعاناة والجوع والعطش والموت والقهر والخوف والأمل ، كان إحساس اليأس والقنوط مسيطراً على الجميع ، الكل يتمنى أن تنتهى المعاناة بأى وجه من الوحوه ، وعلى الرغم من رؤية الجثث الطافية فليس أمام المرء من سبيل سوى المضى قدماً أو البقاء فى خضم ذلك الواقع المؤلم)

ويعلق مؤلفنا على ذلك بقوله :
( عندما دخل السرد تلك البقعة الجهنمية لاحظت تغييراً فى طبقات صوت مصدرى وحسبت أن ذلك من فرط ما جرى ويعيد علىّ وقائعه بثقة زائدة ، ولكنى أدركت أنه جراء تلاشي الخيارات لنفس نجت من خيار مر لتواجه خياراً أمرّ من )

وأضاف المصدر :
( كنت أصلاً أحمل حقيبة صغيرة ، تحتوى على القليل من ملابسى وأغراضى الضرورية ، لم يكن ذلك زهداً ، وإنما واقع فرضته ضرورات الرحلة ، غير أنى أضفت لحاجياتى تلك شيئاً بعد أن قبلت بالشروط إذ إشتريت كفناً جديداً ، كان عبارة عن قطعة بيضاء من القماش ، وضعتها فى تلك الحقيبة تحسباً لما يحدث مثلما ذكروا)

هذه رواية مهتزة ، مضطربة ، غير متماسكة ، لا تحتاج الى أنف أمنى ليشتم منها روائح ( بوليوود ) النفاذة ولا الى عين خبيره لترى ثقوبها المنتشرة على طول السرد وعرضه .
فالتاريخ القريب والبعيد لم يسجل حالة ( صحو الضمير ) التى عزا إليها الكاتب سعى المصدر الحثيث لمده بالمعلومات التى بطرفه ، فالجاسوس والعميل دلت التجارب الكثيرة أنه كالسلعة تماماً يباع ويشترى !!!
ولعلها من الحقائق التى يتفق فيها كافة المنشغلين بالهم الأمنى ونظرياته ( جواسيس للبيع ـ روك رود )
فهى ( حدوته ) أوهنت الكتاب من حيث تريد تعضيده ، ومثلت فى تقديرى نقراً على عاطفة القارئ لا ينبغى ولا يجوز ، فالقارئ الناضج الواعى ليس فى حاجة الى سيناريوهات تضخم الحدث ، ولا حاجة له فى سماع بطل آخر يزاحم سماع صوت الملفات وخزائن الإرشيف .

لا أدرى كيف فاتت هذه ( الحبكة ) على كاتبنا الكبير ؟
وكيف غاب عنه هذا ( الآكشن ) عند تصوير المصدر لعملية شراء كفنه ؟
فهل يا ترى كان أمام مصدره خيار أن يشترى كفناً قديماً بلون زاهى يلائم طبيعة الموت فى عرض البحار !!!!!!!!!!!!!!!!

إضافة الى ذلك فالقارئ المتدبر للحوار التالى بين المؤلف والمصدر لابدّ أن تستوقفه هذه الرومانسية المفتعلة والعاطفة الجياشة التى كست الحوار ، حتى يتخيل إليه أنه يدار بعيداً عن فضاء الغبن والدماء وبمنأى عن عالم الجاسوسية الماكر .

يقول المصدر !!
( بغض النظر عن كون المعلومات وفيرة أو قليلة ، لابدّ أن اعترف أن كنابك المسمى الخندق كان السبب فى ذلك )
( ربما لا تعلم مدى الهلع والفزع الذى سرى فى أروقة الجهاز الرسمى ، وكذا القلق الذى انتاب قيادات عرفت بالشدة ، بل صدر تعميم إدارى يحظر تداول الكتاب ، ليس بالنسبة للقراء من عموم الشعب السودانى وإنما بالنسبة للعاملين داخل الجهازين وبحاصة صغار الرتب ممن يتسنمون مواقع قيادية . وذلك نظراً لهشاشة وسرعة تأثرهم بمثل هذه الأشياء )

وأضاف ( ولكن على عكس الحظر الذى توخاه المرسوم الادارى فقد كنت أنا واحد منهم )

أضاف قائلاً :
( لكن يجب أن أكون أكثر دقة ، لم يكن الخندق وحده الذى حرضنى ، فبعد أن قرأت هذا الكتاب ،
ثمة مقال معين قرأته لك بعد الكتاب ، ظل هذا المقال يطاردنى فى صحوى ومنامى ، كنت أشعر أنه أيقظ فى نفسى شيئاً معيناً لطالما قمعته كلما أطلّ برأسه وأراد الخروج للعلن ، ذلك الشئ كان ضميرى)

ولم يذكر ـ لا الكاتب ولا المصدر ـ هذا المقال الذى طهّر أيدىٍ لوثتها الدماء وغسل نفساً دنستها المحن.

ويعلق الكاتب على هذا المشهد الدراماتيكى واصفاً تلك اللحظات ( فى واقع الأمر ، يصعب على أن أقول إن ما قاله مصدرى حرك فى نفسي شيئاً ، وذلك نظراً لمسببات كثيرة ، لا أعتقد أنها تغيب عن ذهن القارئ أو ترهقهه مراراً ، فضلاً عن ما قاله اعتدت سماعه من آخرين لم يكونوا فى نفير السلطة ولا عبر معارضيها ، لكن فجأةً تغير المشهد تماماً وتداعيت عكس ما وطنت نفسى على اللامبالة والتمرس على الصمود)
(حدث ذلك فى لحظة إنسانية نادرة ، سكن فيها كل شئ ، عدا الكلام المباح ، وبدأ أن ثمة صوت آتٍ من بئر عميقة ، كأنه يستغيث )

هنا يبدو أن المصدر أفرغ سحره وسرى ذلك السم الناعم فى يراع كاتبنا الفاضل وربما تجاذبته محن الوطن ونازعته سطوة التأليف ، غير أنه من الراجح ومن تلك البئر العميقة وعلى صوت الإستغاثة الزائف أيقظ المصدر عند أستاذنا شهوة الكتابة ، ورويداً رويداً بات ينفخ فى معلوماته حتى جعل من هرها اسداً له زئير !!!

فمن يملك أدنى حس أمنى ، وسواء أن كانت هذه المحاورة هى كلمات المصدر أو صاغها المؤلف لن يخطئ فى تصنيف الحجم الحقيقى لهذا المصدر ، وأين موقعه على خارطة الجهاز ، ، يعزز هذه الفرضية نوع المعلومات التى رفد بها الكتاب ، والتى من المفترض أن تكون هى (الإقتحام ) الذى بشر به المؤلف قارئيه ،
فى تعليقه عن معلومات المصدر يقول المؤلف :

( أخيراً وليس آخراً أفرغ مصدرنا مافى جعبته من معلومات وأفرغ مافى حقيبته قطعة بحجم الأصبع ، ولدت وثائق دامغة لا يجادل فى صدقيتها سوى المكابرين ، وتركنى نهباً للتدقيق والتحقيق والتمحيص ، ومن ثم التصحيف بغية إخراجها للناس كتاباً وثائقياً يعتد به ، ونضعه بين يدى المراقبين والمهتمين ، بأمل أن يسهم فى فك طلاسم أعجزت راصديها ، وحل ألغاز أعيت ناظريها . بيد أن المصدر نفسه على ثقة بأن ما سينشر على الناس سيهز عرش الطاغوت وسيزلزل كيانه ، ويحتم عليه تفكيك جهازه سئ الصيت ، وربما أعادوا صياغته ـ بمثل ما ادعوا ـ فى إعادة صياغة ضحاياه .. هذا إن لم يغشهم الطوفان )

هنا يؤكد المؤلف أنه شاد الكتاب وسوّد صفحاته من سيل معلومات مصدره المنهمر ، وأن بين دفتيه كنوز استخباراتية انتزعت من قبضة الشيطان ، غير أنى أعتقد وبقوة أن ما أسفر عنه الكتاب يقول غير ذلك ، وأن معلومات المصدر بقضها وقضيضها لا يعول عليها ولا تشبع فضول ،وأنها من جنس تلك التى ( العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر )
وتشئ بصورة أو اخرى الى تواضع فهم المصدر وتدنى قدرته فى التمييز بين غث المعلومات وثمينها.

لن أجادل فى صدقيتها ، لكنى سأجادل بحق فى قيمتها ، فكما فى قانون الإثبات ( قبول البينة شئ ووزنها شئٌ آخر) فمعلومات المصادر انحصرت فى ( الفصل الثالث ـ خيوط العنكبوت ) والوثائق صـ 257 عدا ذلك فالكتاب من (طق طق للسلام عليكم )
منقول من هذا الفضاء الواسع وكتابات سابقة ، ليس للمصادر فيها أنّةٌ ولا آهة ، ولم يربطهم بأهوالها رأى أو قول .
هى مواضيع اشبعها الناس قراءةً وتمحيصا ، وتناولتها الأسافير بحثاً وتحليلاً ، وقد أشار لذلك المؤلف ــ وهو سلوك درج عليه تمليه معرفته بدروب الكتابة ــ فى هوامش الكتاب وفى مرجع واسانيد صــ 409

الفصل الثالث ـ خيوط العنكبوت

إبتدر المؤلف هذ الفصل ـ أهم فصول الكتاب إفتراضاً ـ بالرسالة التى تلقاها عبر البريد الإلترونى من مصدره وهى :

( أستاذى الجليل
يعلم الله أننى لا أريد نشر هذه الوثائق بسبب مشكلة شخصية مع أحد ، بل أعلمك أن معظم الأسماء التى ستطلع عليها هم أصدقائى حتى الآن ، وحتماً سأفقد هذه الصداقة بعد الكشف عن هذه المؤسسة ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير ، فالأمر أمر وطن اسمه السودان ، وهذه المشاعر الوطنية التى تغمرنى الآن حقيقة لم أكن أشعر بها سابقاً ولكن هى دروس تعلمتها منك من خلال أول مقالة لك إطلعت عليها قبل عامين ، ومنذ ذلك الحين كلما أقرأ لك مقالاً أو كتاب أشعر بأنى غريب وتزداد غربتى يوماً بعد يوم وأنا أعمل فى هذه المؤسسة حتى وفقنى الله فى الخروج سالماً والوصول غانماً الى بلاد الفرنج والديمقراطية. عسى ولعل نعجل بأمر إسقاط هذا النظام بعد حل هذه المؤسسة السرطانية ، وعسى أن يكون هذا الأمر كفارة لى فى ما فعلته ومفتاحاً أدخل عبره بوابة الإنسانية ، لاسيما وأنا أنوى أن أدرس فى مجال حقوق الإنسان ، ولكن لن أشعر بأننى مؤهل نفسياً وأخلاقياً لدراسة هذا المجال والعمل به ، إلا بعد الإعلان عن فضائح وممارسات هذه المؤسسة السرطانية)
يقول المؤلف :
(أنه وبعد هذه الرسالة ومجموعة الوثائق التى بعثها عبر البريد الإلكترونى طار الى حيث البلد التى يقيم فيها المصدر بغية مقابلته والإستماع منه وجهاً لوجه ، )

ما يلفت النظر فى هذه الرسالة هو محاولة المصدر الخبيثة فى إسناد روح الوطنية التى داهمته الى المؤلف وكتاباته .وأن مقالاته دون غيرها ( لم أكن أشعر بها سابقاً ) هى التى نهضت بضميره الذى سقط .
فالاستاذ رغم إثراءه للساحة الإعلامية ونشاطه المتواصل فى هذا المجال لم يكن هو الوحيد ، فالكثيرون داخل الوطن وخارجة أوسعوا الإنقاذ سياطاً من لهب وكتبوا فيها حروفاً من حميم ، وأرسلوا عليها من أقلامهم شواظ من نار و نحاس ،

فى بداية الفصل إستعرض المصدر قصة تجنيده للعمل فى ( جهاز الأمن الشعبى ) إبان دراستة فى كلية القانون جامعة الخرطوم وموافقته للإنخراط فى أعمال الجهاز ،
لخصها فى الآتى :
– أنه تلقى مكالمة من شخص يدعى ( أبوبكر سعيد ) طلب من مقابلته فى كلية الهندسة لأمر ضرورى وهام وملح ، وعند ذهابه لمقابلته وجد معه آخر عرفه أبوبكر بأنه ( زميلنا همّام عبد الكريم عبد الله ) وتحركنا خطوات الى بلغنا مكان خالى إلا من الشجر ولنزع القلق من نفسى باشرا معى الحديث فى مواضيع عامة ثم بدأ همام يشرح لى اسباب اللقاء بمدحى مدحاً مبالغاً فيه وأننى من قبيلة تحكم السودان
وأضاف بشئ من الزهو هؤلاء هم أسياد السودان وهم من أدخلو فيه الإسلام ولكل هذا الأسباب تم اختيارى للعمل فى جهاز أمن سرى يسمى ( الأمن الشعبى)
ابديت لهم القبول حين شعرت أن الخيارات تضائلت أمامى ، عندها تهللت أساريرهما وقاما على الفور بإعطائى ورقة قرأتها فإذا هى قسم الولاء !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
هذه رواية ساذجة !! وقصة مبتورة البدايات مدبلجة الخواتيم ، لا تستقيم من جهاز متمرس كما يدعى ويقول ، فأبجديات العمل الأمنى لا تقر هذه (السبهللية) فى التجنيد والإختيار

ويمضى المصدر فى هذا الفصل الذى يمثل (عضم ضهر ) الكتاب ، فى التعريف بجهاز الأمن الشعبى والمهام المناط به والمسؤوليات الملقاه على عاتقه ، وكيف أنه صاحب الكلمة الأولى فى تسيير شؤون الدولة وأنه المرجع فى تعيين الوزراء والسفراء والوظائف الدستورية والتنفيذية والقيادية وتحديد السياسات العامة ، الإقتصادية والأمنية والعسكرية وتوجيه السياسة الخارجية والداخلية ، وأنه البديل الجاهز فى حالة ( إنهيار ) جهاز الأمن الرسمى ، وأن مدير المخابرات ومدير الشرطة يرفعون له تقاريرهم اليومية وووووو الخ !!!!!!
ويقول أنه يتكون من عدة دوائر تتفرع منها عدة إدارات

الدائرة الأولى وهى الدائرة المختصة بالمصادر
الدائرة الثالثة وهى الدائرة المسؤولة عن العاصمة والولايات
الدائرة الخامسة وهى دائرة إدارية فقط
الدائرة السابعة وتختص بالعلاقة مع التنظيمات
الدائرة التاسعة دائرة المرأة
الدائرة الحادية عشر وتسمى دائرة الأمن الخارجى
الدائرة الثالثة عشر وهى دائرة معنية بترقية العمل داخل الجهاز
مكتب المدير العام

ثم يواصل فى سرد مدهش مرتبك يختلط فيه عضد الوهم بساعد الخيال شارحاً مهام كل دائرة ونطاق عملها واسم المسؤول عنها ومقرها ويعرج على الإدارات التابعة لها موضحاً واجباتها ونشاطاتها ،
مقرها واسماء المسؤولين عنها وكيف يسير العمل بداخلها ، ويقفز الى مكتب المدير العام مفصلاً عمله وتحركاته وراسماً لخططه واصفاً ليومه وأمسه وغده ، ،
الرجل باختصار يعرف كل صغيرة وكبيرة ولا تفوت على مداركه وذاكرته شاردة أو واردة حتى ليخيل للقارئ أن هذا المصدر هو من أنشأ الجهاز ورسم هيكله الوظيفى وبنى إدارته وجنّد افراده
وهو قطب الرحى الذى تلتقى عنده الأحداث ومحور الكون الذى تدور فى فلكه الأمور !!!!!
لا مجرد فرد تم تجنيده فى ظل شجرة !!!
والمصدر ناسياً أو متناسياً ، أو ربما لا يعلم أصلاً أن أسوأ الأجهزة الأمنية تنظيماً فى العالم ، تقدس قاعدة ( المعرفة على قدر الحاجة ) وتلقن أفرادها شهادة ( ألا يهمك إلا ما يليك ) وأن السياسات العامة للأجهزة الأمنية تناقش على مستوى القيادة ، ولا تبسط بهذه الأريحية وتدرس كمادة للمجندين فى بداية حياتهم العملية ،

وبعد كل ذلك لا يفتح الله بكلمة أو جزء من معلومة فى قصة إختفاء الطالب محمد الخاتم موسى يعقوب وهى فى تقديرى تعد من أخطر القضايا التى تشير كل الدلائل أن ملفها بأيدى جهاز الأمن الشعبى وأن أحداها قريبة من ذلك الوقت الذى انحصرت فيها تواريخ وثائقة ، لاسيما وأنه يدعى تسنمه لمكت الطلاب بالجامعة !!!!!!!!!!

هذا كل ما جادت به موهبة المصدر وجل ما استلمه الكاتب بعد رحلته التى ( ضرب لها أكباد الطائرات ) أو كما قال :
معلومات إنشائية يمكن لكل ذى موهبة أن يعدل فيها ويضيف وسيناريو يمكن لأى ( صبى) أمن أن يعده لو قيل له ممّ يتكون جهاز الأمن ـ أى جهاز أمن !!!!!

الوثــــائق

أفرد المؤلف فصلاً خاص بالوثائق التى حصل عليها من مصادره ، واصفاً إياها بالإختراق الذى لاشك أنه سيزلزل الهيبة المصتنعة للأمن ، وهى كما يقول قد بلغت ثلاثمائة وسبعة وخمسون وثيقة عمل على انتخاب واحد وخمسون وثيقة منها تتفق محتوياتها وموضوع الكتاب ، وتمثل إختراق جهاز الأمن لكافة القوى السياسية والحركات المسلحة والكتل الطلابية
ويقول ( هو إختراق قد يدهش القارئ نسبة لدقته الشديدة فى ما يوحى أن الأمن قد إستخدم تقنية عالية الحساسية !!!!!!!
فعلى مدار 137 صفحة من الكتاب ،  وتحديداُ من ( صـــ 259 ) الى ( صــ 396 )
يجد القارئ نفسه مضطراً لقراءة أحداث أقرب الى تغطيات الصحف منها الى تقارير الأمن ، فغالب هذه الوثائق هى نشاطات لتلك الجهات ، تمارسها فى روتين أعمالها ولا يمكن بحال تصنيفها فى قائمة الأسرار والمعلومات الخفية ، ، هى جهودها لا تحجرها على طالب ، بل يمكن لها أن تدفع لمن ينشرها للكافة حتى يعلم الناس حراكها .
ولنأخذ أول عشرة وثائق على سبيل المثال

1/ إجتماع عضوية المؤتمر الشعبى ولاية سنار بأبناء قبيلة الفلاتة تناول التهميش الذى تعانى منه القبيلة
2/ إجتماع منظمة حزب البعث جامعة الجزيرة تناول الإعتداء على عضو المنظمة معتصم زكريا
3/ فشل اجتماع تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل
4/ إعتصام كلية المختبرات جامعة شندى
5/ إعتصام بكلية التكنولوجيا جامعة الجزيرة
6/ إجتماع طلاب الجبهة الشعبية بجامعة القرآن الكريم
7/ إجتماع القوى السياسية ولاية الجزيرة بدار الحزب الوطنى الاتحادى
8/ اجتماع حزب التحرير ولاية الجزيرة
9/ إجتماع مكتب طلاب حزب الامة بولاية الجزيرة
10/ الترتيب لتوزيع بيان من قبل الحزب الناصرى
( أكد الأستاذ الفاتح سليم أن حزبه سوف يصدر …الخ )

حقاً أنها لن تقف عند إدهاش القارئ ، إنها تحبطه !!!!!!!
هذه هى شاكلة الوثائق التى عدها المؤلف فتحاً عظيماً واعتبرها المصدر أسراراً قال أنه ضنّ بها على القناصل والسفارات بغية تمليكها للشعب السودانى وأنه حملها فى كف والموت فى كف قاطعاً بها الصحارى والبحور حتى يجد لها متنفس ومستقر فى بلاد( الفرنجة والديمقراطية ) أو كما قال ،

وما يمكن أن يلاحظه القارئ المتأمل هو أن كل التقارير التى حواها الكتاب تقارير ( سردية) وهذا عيب جوهرى فى كتابة التقرير ويقلل كثيراً من قيمتها الفعلية ، فالتقارير يجب أن تكون قبل كل شئ تقارير ( تحليلية ) تساعد من ترفع اليه فى اتخاذ قرار ما !!
بخلاف ذلك وكما هو معلوم فالتقارير الأمنية لها تصنيفات معروفة تحدد درجتها ، فليست كل التقارير الأمنية مما يمكن أن نطلق عليه ( سرى، سرى جداَ ، محظور ) وأكاد أجزم أن غالبية تقارير مصادر الكتاب من تلك التى لا ترقى حتى الى مستوى التصنيف فتقارير الأفراد ( وهى صفة التقارير التى بين يدى القارئ ) تقارير روتينية سقفها الأعلى هو رؤسائهم المباشرين ،
فهى تقارير عديمة القيمة الأمنية ، لا يترتب عليها قرار ولا تستلزم تحرك ، هى باختصار تقارير فقط ( للعلم والإحاطة)
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ، فنوعية هذه التقارير توضح قصر يد صاحبها ،وأنها عاجزة أن تطول مكامن الأسرار ومستودع ( الملفات ) الثمينة .
كم تمنيت أن عرض الأستاذ فتحى الضو هذه الوثائق على أيٍ من معارفه وأصدقائه الذين لديهم خبره فى مجال الأمن وممن قاموا فعلاً بممارسته واستأنس برأيهم فى تصنيفها قبل أن يرسلها الى النشر ويخصها بأكثر من ثلث الكتاب ،
أما بقية فصول الكتاب ،لم يأتى الكاتب فيها بجديد ، وكما أشرت لذلك ، فهى عن أحداث معلومة لدى القارئ نقلها المؤلف من منتديات هذا الفضاء وقصصات الصحق اليومية ومن ملفات ووثائق المنظمات الدولية لا له ولا لمصدره فضل السبق ، لم يحرك فى ساكنها خيط ولم يكشف عن وجهها قناع ،
وهو الذى يقول ( أضع بين أيديكم ــ أعزائى القراء ــ جهداَ تواصل فيه الليل والنهار ، ولا أمن به عليكم كما لا أمن به على قضية نذرنا لها عمراً ، لكن سوف تدركون بعد الفراغ من تصفحه أنه يعد أكبر وأخطر إختراق فى تاريخ العصبة الحاكمة على مدى سنواتها فى سدة السلطة ، هى سنوات تطاولت ـ بفقه التمكين ـ لأكثر من ربع قرن جف فيها الضرع وهلكت الأنفس والثمرات
( فى الفصل الرابع ) (الجريمة والعقاب )
يتحدث الكاتب عن ثقافة القتل حول السلطة عموماً مستعرضاً حالات القتل التى حدثت إبان الحكم العسكرى فى عهدى الفريق عبود والمشير جعفر النميرى
وفى الفصل الخامس ( طاحونة الموت ) صـ 135 الى صـ 210
يستعرض الكاتب جرائم القتل الفردى الذى حدثت على عهد الإنقاذ إبتداءً من الحادثة الشهيرة التى هزت كل الضمائر الحية ( إغتيال دكتور على فضل ) مروراً بقصة إغتيال كل من مجدى محمد أحمد وداؤود بولاد وعلى أحمد البشير وحوادث سبتمبر ودكتور خليل ابراهيم وانتهاء بمجزرة رمضان التى راح ضحيتها 28 من صفوة ضباط القوات المسلحة
وفى الفصل السادس ( الذين ذهبوا خلف الشمس )
خصص الكاتب هذا الفصل لجوادث الإختفاء القسرى التى طالت البعض مستدلاً بثلاثة حالات
ضجاياها هم :
االشاعر الرقيق أبى ذر الغفارى
الطالب الإسلامى محمد الخاتم موسى يعقوب
الأستاذ الجامعى البروفيسور عمر هارون الخليفة

فى الفصل السابع ( من القاتل )
وفيه يعرض أسماء بعض أركان النظام كإجابة على تساؤله ،
الى من توجه المسؤولية الجنائية والأخلاقية فى حوادث الدم التى جرت بعد نجاح الإنقلاب ؟؟
و هم :
1/ الراحل دكتور حسن الترابى ،
2/ على عثمان محمد طه
3/ عمر حسن أحمد البشير ،
4/ نافع على نافع ،
5/ أسامة عبد الله
وطائفة أخرى أورد منها دكتور الطيب سيخة وصلاح قوش والجاز ومجذوب الخليفة والوالى أحمد هارون ممنياً النفس أن ما أورده فى هذه البضع وعشرون صفحة ، سيكون بمثابة لائحة إتهام فى مواحهتهم حين تشرق شمس السودان ، وأيما قارئ لهذا الفصل لا يحتاج الى جهد ليتبين له مدى هشاشة محنواه فالمذكورين ليسوا فى حاجة الى هذه ( الفذلكة ) التاريخية لإثبات تورطهم فى ما آلت اليه البلاد
والسؤال أعمق من أن يجيب عليه بإيراد أسماء بعض رجالات الإنقاذ ، أياً كان دورهم !!!!

خلاصة ما أود أن أقوله فى هذا الرؤية التحليلية ،
أن الكتاب دون تلك الضجة التى صاحبته وأقل بكثير مما تنبأ المؤلف بحدوثه ، تعجل أستاذنا الجليل طحينه فجاء دراشاً ، ولم يمهل عجينه فأرسله فطيراً ، فى هذا الكتاب خاطب أستاذنا الفاضل عاطفة القارئ لا عقله ، ومارس تضخيماً (غير حصيف ) لمعلومات مصدره وما سوف يترتب عليها من أثر  وقاد حملة ترويجية ( خادعة ) لكل من تصفح الكتاب واقتناه .

القارئ سيدى الفاضل فى حاجة الى سماع صرير خزائن الأرشيف ومعرفة أرقام (كود) الدخول .
القارئ فى لهف الى خيوط تقوده الى ( فك طلاسم ) قضايا مازالت حية فى وجدانه .
القارئ ليس فى إنتظار حكاوى حفرت فى ذاكرته ولن تخمد جذوتها ـ عند كل غيور ـ تطاول الأيام وتعاقب الليل والنهار ، هى أحداث مازالت وستظل همْ الجميع وكل من تجرى فى أنفاسه قيّم الإنسانية .
القارئ حتماً سيقارن بين بشريات الكتاب ومحتواه ، وقطعاً لن يقبل بكفته الراجحة نحو الإحباط والهزيمة !!!!

نعم قام الكتاب بتوثيق كافة الأحداث ، واستخلص مادته من مواقع التواصل ومفترعات المنابر ، ومن وثائق المنظمات وقصصات الصحف ومن ثم جمع شتاتها بين دفتى كتاب ، وهذا أمر يستوجب أن نقف له إحتراما ، ونشكره الى أى مدى يكون الشكر .

لكن ومن باب إحترام العقول ألا يزف الى القارئ كأنه صهيل خيل الفاتحين ، وأن المعلومات التى بين دفتية هى سيف أسامة البتّار .

ما أخشاه ،
ولا أتمنى حدوثه ، هو تدنى سقوف توقعاتنا وأمانينا ، وتوإن شئت فقل تدنى عددية قرأء كاتبنا الموقر ، جراء هذا التطبيل الذى حدث لمادة الكتاب ، والتضخيم الذى قدمت به مصادره ، والذى لم يوازيه فى المقابل إلا قليل من ( خطرفات) شتى !!!!!!!!

وفى الختام
أعادنى هذا الكتاب الى نهاية العام 1991م حيث كنت أشارك أستاذنا فتحى شيلا طيب الله ثراه شقة متوضعة وسط مدينة جدة وقصة أحد المصادر ، وكيف أن بحوزته معلومات ( ثمينة ) يود أن يملكها المعارضة وبقليل من الجهد والتمحيص أتضح أنها معلومات لا تعدو أن تكون مطيته لبلاد ( الفرنج والديمقراطية ) تماماً كما يشتهى مصدرنا صاحب العنكبوت.

التصنيفات
دراسات نقدية

الكتابة ذات الحيوات DKEEN

الكتابة ذات الحيوات “DKEEN” مثالاً

كتب : أسعد ..

كاتب في منبر سودانيزاولاين يكنى بي *DKEEN
لديه كتابة تتختلف تماما عن الموفور في اضابير السايبر… حيث تتميز كتابته بالأرواح
الزول دا لو ما كان كاتب اتوقع انه كان ح يكون فكي بتاع كواديك وحجبات وسحر وشعوذة… فكتابته هذه تفعل فعل السحر بروح المتلقي …
وهذا البوست سابذل فيه انبطاعاتي -والتي بكل تأكيد خاطئة- لكن مضطر اكتبها لانها انطباعاتي بغض النظر عن درجة صوابها…
وجدت تشابه بين كتابة دكين وغناء بوب مارلي..
فحاولت تجميع أوجه الشبه بين الاتنين … لكن لقيت نفسي اتورطت في ورطة كبيرة وح اتعب روحي سااااي… فكل شيء هنا يشبه هناك … لذلك أثرت جمع وجه الأختلاف بين الاتنين واريح نفسي …
وحاولت اجمع ا لفروقات العشرة بين غناء بوب مارلي وكتابة دكين:

1- الأولى موسيقى والتانية كتابة.
2- الأولى مسموعة والتانية مقروءة.
3- الأولى بالانجليزي والتانية بالعربي.
4- الأولى المغني جاميكي والتانية الكاتب سوداني.
5- اصدار الأولى في السبعينات والتانية اصدارها في الألفينات.
6- الأولى فيديوهات والتانية بوستات.
7- الأولى موفورة في اليوتيوب والتانية مبذولة في سودانيزاونلاين.



نأسف تعذر الوصول إلى فروقات أخرى

بعض النماذج عن تشابه كتابة دكين مع أغاني بوب مارلي:
——————
1- الواقع دائما أجمل من المثالية:
تتميز أغاني البوب دونا عن سائر باقي المغنين المطاليق بالواقعية… حيث نجد على سبيل المثال جون لينون ومصطفى سيد أحمد وغيرهم موغلين في المثالية التي تعتبر العدو الحقيقي للواقع… حيث نجد أن المثالية دائما تقوم على مبدأ الجماعة وتضيع فيها حرية الفرد، ودا محور أغاني ناس لينون ومصطفى سيد أحمد بأنهم يغنوا لهذا النوع من المثالية والتي تتعارض مع الواقع…
أها نفس الشيء دا بنلقاهو حاصل في كتابة دكين مقارنة مع معظم الكتابات المبذولة في السايبر… فجميع الكتابات تحفر في حقول ألغام المثالية…لكن كتابة دكين عكس ذلك تماما كما هو حال أغاني بوب مارلي فهي كتابة تتميز بالواقعية.

2- العبثية الجميلة:
لمن تركز شديد مع أغاني بوب مارلي ستجد انها تتميز بالعبثية في فكرتها والحانها وموسيقاها وأداءها، فلو جيت تعايرها بالاستاندرد المعروف للموسيقى ممكن تطلعها كلها غلط في غلط… ولكن هذه العبثية كان جمالها أعظم من أن يتم مقايستها باستاندرد لا بشبها ولا بتشبهه…
وكذلك الحال مع كتابة دكين نجد أنها عبثية في عدم التزامها بقواعد اللغة ولخبتتها بين الفصحى والدارجة وجمعها بين الجدية والسخرية والخ الخ من متناقضات لا ينبغي لها ان تجتمع في كتابة تجد لها معجبين… ولكن فجاءة كدة تطلع زي غجرية متعرية منكوشة الشعر ما فيها حتة مكياج واحد… ولكنها أجمل واحدة ممكن تشوفها…

3- لغة الخطاب
بنلقى لغة الخطاب في أغاني بوب تشبه إلى الحد البعيد لغة الخطاب في كتابة دكين… لا يوجد فيها ضمير الجمع، بل هي تخاطب الفرد لذلك المستمع لأغاني بوب والقاريء لكتابة دكين دائما بكون الأثر انه يشعر بذاته داخل ذلك النص او تلك الأغنية…
ودليلي على ذلك يمكنك ان تتأمل الأثر الذي تتركه بداخلك عند استماعك لأي أغنية لدى مصطفى سيد أحمد وساعتها ح تحس كأنك طوبة في مدماك حيطة بتاعة ناطحة سحاب في (مدينة فاضلة)… بينما استماعك لأي اغنية لبوب مارلي ستجد أنك مركز مع نفسك أنت وبس… والأثر الأخير دا ياهو بكون حاصل كتير للناس البتعجبهم كتابات دكين…

—————————-
افضالِ الضالِ في سلاح الامداد والتموين

الديكُ في منزلنا في فجر قريب نفض جناحيه وصاح جاوبه الصياح ديك ناس ضو البيت جارنا ….
ثم ديك في اول شارع الزلط يصيح مؤكدا عن فجر جديد..
ويتناوب الديكةالصياح حتى يصل الى اخر بيت في جبرة ومنه الى اول بيت في الصحافة زلط يسافر الصوت عبر ديوك نشيطة هميمة بالفجر الى اخر بيت في الصحافة زلط ومنه الى اول بيت في الصحافة شرق ثم اخر بيت فيه لاول بيت في المعمورة وعبر ديوكها الى اول بيت في اركويت ثم الى اخر بيت عند محطة تلاتة ومنها الى بيوت الطائف..
يعاني الصوت هناك في انتقاله فلا البيوت تشبه البيوت ولا الديوك هناك تقيم كثيرا ..
ديوك الغفراء الذين يقيمون في بيوت من الكمرات وقطع الشولات مع ديك ناس ميسون النجومي تنجز صوت الفجر القادم من منزلي ..
وبقدرة صانعِ الفجرِ الواحدِ القيوم يصلُ الصوتُ الى اطرافٍ الرياض ويعاني اكثر من ذي قبل…
ومن ثم بعونه جلت قدرته وعلا شأنه يتناوب المتيسِر من ديوك الرياض ُمهمة الصوت حتى يصل الى اول ديكِ في ناصر عند شارع اوماك..
وتضجُ منازل امتداد ناصر بصوت الفجر ويتواصل عدوى الصياح ويتجه جزء من الحفل شرقا الى بري اللاماب ومنه الى اطراف (المنشية 25) و الديوك هناك تقيم الليل ثم المنشية قباني حيث العز الماهل وحيث ورثَ الوارثين ..
وهناك ينقطع فرع صوت الفجر الذي اتجه شرقا من ناصر ..
الجزء الاخر من الصوت حيث تركناه غربا يلتقطه ديك في بري المحس…
بعدها يستلم الصوت ديك ناس داليا في اول بيوتِ الجامِعة ..
ومن ثم الى ديك ناس ود المكي كاخرِ بيتٍ من بيوتِ الاساتذة وكاخر ديك في اخر منزل يقف على حواف النيل الازرق يصيحُ هميما فينقلة سطحُ النيلِ هادئا قويا الى ديك لصاحب كمينة عند اطراف المزارع في بحري ثم لديكٍ مقيمٍ في اول منازل ذلك السكن الحكومي عند كبري القوات المسلحة ومنه لديوك مزرعة السجن في كوبر ومن ثم لديكٍ ضل سبيله في سلاح الامداد..
ويصل مهرجان الصياح الى ديك ناس معز صديق في الاملاك وعبر ديوك الختمية باعرافِ مهتزة الى ديك لرجل عرف محض جميلِ نعمة ربِه عليه فاجتهد مقبلا لصلاة الفجرِ بماء ُميسر من ابريق.. سائلا الله الاجر سترا وعافية محاولا ان يتذكر اثار الامطار في طريق المسجد عبر بابه المورق بالجهنمية …
ومن صياح هذا الديك لاخر ديكٍ في المزاد ثم لاول ديكٍ في اول شبمات ..
وعبر اكثر من اربعمائة واربعين ديكاً .. وديكٍ ضالٍ بسلاح الامداد يصل صياح الفجر القادم مِنا الى ديك ناس رباح في شمبات فيصيح عاليا …
ويضِرب جناحيه..
فتستيقظ رباح العزيزة وتذكُرني دونما سبب..
شفتو دونما سبب دي كيف… ؟؟
بعد كل هذه الاسباب المأمورة لصنع ضجيج اشواق قاصدة في فجر الخرطوم ..تذكُرني الغالية بلا سبب فقط لان ديكا ايقظها فجر ذلك اليوم ….
عندها يهجس هاجسٌ فيني بانني الان قيد ذكراها ..وابتسم واِحن اليها فانام مل جفوني .

في صباح نفس اليوم و بينما انا انتظر التي هي احسن اتية من اطراف شمبات
كنت احكي (لابو اللول) على اقل من مهلي عن اشواقي وعن تأمر الديوك فجر هذا اليوم لايقاظ رباح ..
سالني لؤي الجالس عند عتبات الإكزام هول وقد احس وكانما ريشٌ ينبت عند اطرافه: ليه ياخي ما عندها موبايل ؟؟
ــــــــــــــــــــــــــ
رباح ..
ذلك فجرٌ من اربعين فجرٍ مضت..
لطالما حدثـتُكِ انا..
وحدثـتكِ إسلام ..
وتملل ابواللول من الوقوف على بابك محدثا ومكِلما..
بيوت الناس البصلو على الرسول تكلَمت ..
ياخي الضالين بسلاح الاشارة تفضلو بالكلام يا رباح..
فما بالك عزيزتي لا تبارحين عصر صمتك الممتد مذ عرفتكِ ..
افتحي خشمك ده..
قولي اي شيٍ لتمنحنا الحياة دلالها ..

أحوال الليل

نظرتُ الى لستك العربية قبل صلاة المغرب بقليل..
اللستك مدور وليس مربع..وليس مثلث وليس اي شكل اخر غير هذا الشكل المحتال على الجاذبية..
العربية ميكنتها وفق الجاذبية الارضية..
حبي الطفل برضو وفق الجاذبية الارضية
عضلات البالغ مناهضة للجاذبية الارضية..
حركة الحيوان..حركة الماء ..
سقوط الثمار على الارض ومن ثم نموها الى اعلى نكاية في الجاذبية الارضية..
الطرابيذ الفي البيوت مهيكلة على ان تحتال على الجاذبية الارضية..
رفوف الدولايب رصت عشان الجاذبية الارضية..
كرعين الكرسي الانتا هسي قاعد فيهو ده متحملة وزر وزنك تجاه الجاذبية الارضية..
حركة السفن والبوارج التجارية والاساطيل ..انظمة اطلاق الصواريخ في ناسا وكيب كنفيرال..
حركة حفارات البترول من اعلى الى اسفل والعكس وفق الجاذبية..
الارهاق الذي يصيبك وانت تضاجع زوجتك متحركا من اعلى الى اسفل سببه الجاذبية الارضية..
فإذا ماكنت على سطح زحل فاغلب الظن كنتا حتكون مواصل لي الفجر ..
ثم انه لافجر في زحل ..يعني كان حتكون مواصل الى ان تقول بس..
وحيث ان كلمة بس مفردة ارضية تم نجرها وفق حاجات تعاطي المعاني على ظهر الارض كان حتكون مواصل الى مالانهاية ..
فيابخت من تزوجت على زحل..
الجاذبية بصراحة يخوانا هي جن هذا الكون وقلقة ..
الحركة بالجملة كده على وجه الارض الجاذبية هي التي تتحكم فيها..
ياخي اللباس ده مصنوع وفق الجاذبية..
يعني لو اللستك ماقوي فاللباس مصيرة للارض ..
الارض سر هذة الدنيا ومستودع الخلق الاخير..
الارض ..
عصارة المعارف الانسانية كلها والمكتسبات المعلومة والظنية تمت داخل غلاف الارض الجوي
حياتنا برمتها تدور على الارض التي جربناها وليست في سماوات غير مجربة..
الارض جربت الحجر ونحنا ماجربنا غير هذه الارض
الاستثنائات التافهة التي نفذ بها الانسان خارج قوس الغلاف الجوي ليست تجربة حياة وانما استثناء..
لذلك نبقى تافهين جدا جدا اذا ما نظرنا في ليلة لاضوء فيها الى ماخلف النجوم..
فجأة كده تكتشف انو كل شي امامك وخلفك وبين يديك
ماقراته ومالم تقراه ..
ما خبروك به ومالم تُـخبره
الحروب ..العشق ..المحبوبة ..الاصدقاء..التجربة الابوية ..الحنان..
الدين ..الكوارث ..العواصف ..المطر .. الالات المكانيكية..الموت والميلاد
الكنبة الفي الصالون ..برنامج اسماء في حياتنا..العوازيم والمعازيم
الاعراس والطقوس..القبر والمحافير
المدير ..الرزق..مفاهيم الجمال..فكرة الغربة ..تجارب الاشواق…
السفر.. تذاكر الطائرات..المدرسة..الاغنيات الخالدة..نشيد العلم
منسوب النيل الازرق..محطة ود الماحي..الانتظار ..
النظريات الانسانية العميقة..الفلاسفة ..ديكارت وارسطو سبنوزا وبن حيان وبن عربي..المغنين .. 
انشتاين ونسبيته..بتهوفن وسمفونياتو..طرشو وعماهو..
الحر ..البرد ..الشمس ..الضل ..الجيش
نظام بناء المنازل ..الرياح الجنوبية الرطبة..
الاوض..الفتحات الشبابيك ..الطاقات..الامريكان..المجاعات
القطاطي..التكنلوجيا والتواصل ..
الشجر..حلة حمد ..شمبات..سان بطرسبيرغ ..الكي بورد ..علامات اللغة والقواعد..قيامنا وقعادنا..
كلها اشياء ومسميات ونظريات وافكار تمت على ظهر الارض ووفق قوانين الارض وليست على ظهر اي شي اخر..
حصيلة المعارف المدونة ..
معارفنا دي كلها بي كل قوانينها..التي بها سارت الامور وتناقلتها السير والاخبار والاثار وكتب التاريخ والمعاجم والموسوعات حتى يوم الناس هذا.. نبلها ونشرب مويتها على بعد خمسين الف قدم فقط من سطح الارض..
بلاي شفتو لي ياتو درجة نحنا مواهيم..
الدواس ده كلو في حتة سغمبروتة لقينا نفسنا فيها..
الغريبة الارض دي مدورة زي اللستك بتاع عربتي..
والاغرب اني عربية ذاتو ماعندي..
تصبحو على خير..

فهذه ليست ليلتي ولاحلم حياتي..
انا بس حنيت لي بت، ونظرت نظرةً في النجوم..

  • عبد العزيز شلال .
التصنيفات
دراسات نقدية

تماضر حمزة ،،، ( رَطَّانية )

تماضــر حمزة ،،، ( رَطَّانية )

IMG_9246-001
ناصر يوسف

جيلي عبد الرحمن و  أبو آمنة حامد
“تماضر الخنساء حمزة ”
وأسماء أخريات من غير الناطقين بالعربية ، نطقوها ،،، تناولوها كما الوجبات الدسمة ، نثروها شعراً وأدباً عربياً رفيع المقام . والقائمة تطولُ وتطول ،، ومن أجناسٍ شتي . يا لكم أنماطٍ من بني البشر هائلون جدا ولكم مني الحُب

كما كتب جيلي عبد الرحمن يوماً ،،،

(بوابات المدن الصفراء ) وكتب أيضاً (الجواد والسيف المكسور)

وكما كتب أبو آمنة حامد يوماً ،، :

(سال من شعرها الذهب
فتدلى وما انسكب
كلما عبثت به
نسمة ماج واضطرب)

10372020_1707190719501472_6378886346244211962_n
كتبت تماضر الخنساء حمزة يوماً ما ،،،

أولا تعرف أدب الزيارات؟؟
أخبرني بمواعيدك ولا تفاجئ أوقاتي.
لاتطرق الممكن فيّ .. تجتازني بخطوٍ مستحيل..تحاذي الحضور..ولا..تفعل..
تغافلني وصنوي..انتباه.
تنتابني كل وقت..وأوقاتي لديك..تنتابها الحُمّى..
أن تكون الروح ..سلماً..
شاهق العُلو..تفصل بين مسافاته أرواحهم..وتعلوهم جميعهم..نفحةٌ من روحِك..ماخبّرني..التوقّع..بعبورِها..
ماترك لي الاحتمال..مذكرة..بمجيئك..
تعبرني على حين عُجالة من الرغبات..على حين ..تمهّل..منـــ ك.
تُشعل ذاتي..وتتركني..أحاور انشغالي..بك..أسلّي..انتظاري..الذي عمّد مساحاته..ضد..الملل.
أتراك ..كما..أخبرتهم..رحلت؟؟
تعلم أنت..ولا يعلمون..
فِكر الاحساس ثقافة ماأتيحت في الأماكن العامة..
ولاهي ارتصت على الطرقات طالحها يحاكي صالحها في رداءة الورق و..السعر.
لهم أرسل بطاقات حضورك..عليها ابتسامات..مُشفقة..
تلوِّنها..تفاصيلك..منقوش عليها (دعوه للغياب..فإنّه..باقٍ ..بــ رغمه.)
من لي بمن يمنحكم بعض ماأشعله؟؟
أخاف أن تحترق الأشرعة..وتغرق الآهات في بحارٍ مااستطاعت احتواء ..الوصول.
من يخبركم أنّني أحدّثه الآن..فيجيب..
قطعاً لصمته..دندنات تُسمع..لابتسامه..مَلمَسٌ حميم..لذكرياته..ارتداد..الوتر..بعد كل عناقٍ..لنقرِ الأصابع.
يبكي..اللحن..ويشدو..ولاَسَلني..كيف!
لكأنّما الروح يبعثها الغناء..فتسجد لصوته..بعد كل معزوفة.
دعوها..في خشوعها..(دعوها فإنّها مأمورة بالــ)عبادة.
يُسرِع النبض ويبطئ..ولاتَسَلني..كيف!
يغرقُ القلب..ويطفو..
أأخبرتك أنّ انتباهي..يغفو؟؟
لك أن تَسَلني..ولي..حينها..حق..الصحو.
أنت ..تُكابِر..
دائماً تفعل..
متى تعترف..بوحدانيتك فيما خصّك الحِس ..به؟؟
فأنا اعترفت..
خطوك..
حديثك..
صوتك..
صمتك..
فِكرك..
كلّك..كلّك امتلكني على مراحلٍ وباعني للغياب.
قربك..لازال عِطري الحتميَ..في كل زيارةٍ ل (الضيق..الكتمة)
يُشعل فرحي ..أنوثتي..ويتركني..أرواغ أشواقي..ولهفتي.
فهلا سكبته..عليّ؟؟
أسعد الأحزان تلك التي نحياها حين يغتالنا الفرح.
آياتك كتبتها على مشارف الفقد..وقرأتها بخشوعٍ….
يالهذا الوجه..يغسله الملح ..كلما اشتاقك..
كل ليلةٍ يضمخه التوق..وتُغطيه الذكرى.
أخبرني..ان فاجأك حضور ما..في..غياهب الغياب..فأنا مااستطعت اجابة السائلين..
وألجمتني أحوالي.
أخبرني..أو أمدد لي دعاءً..أو ذكرى ..طيبة..
علَني أصادف..قبساً من صراطٍ..أزاحمه..عليك.
مشيت على ..حدّك..أفرحني أنّك..لم تحيد..أحزنني أنّك لم تحيد.
الخطو موعودٌ بالانجذاب إلى الأسفل..وأنت ضد السقوط.
عفواً..لما سبق..فالقلب يحتويك ..و..الخطر.
سرت على حواف الماء والهواء..كم كنت نقيا..
لطافة تنسّمي لك لازالت تداعب ..اغفاءتي..لازالت..تُعلن لديّ مواسم..ال..تعب.
حرّضتهم..أعترف..
همست لهم..وأحطتهم بايحاءاتي..أن القلب يعيشُ حيث ارتياحه.
ساروا خلفي وأنا ماعلمت ماالأمام الذي أسير..نحوه.
يغمرني الفضول..هل لي بقاربٍ يطفو على إجاباتك..وينتشلني من السؤال؟؟
ماذا بعد عبور بحارك..والأثير؟؟
لاتجيب.
لابأس فالبعيد يحمل تفاصيل وجهك.
فيه مَلمَح..من نبرة..فرّت من عميقِ صوتك..غادرتك دون ..وعيك..
هل أخبرتك؟؟
كلا..لم أفعل.
لو أنّني فعلت..لما استطعت أن أهديك مسامعي.
أنا أهديتك مسامعي وتفاصيلي..فأين هدايايّ وماذا أهديتني؟؟
سِرتُ إلى ماظننته..مُنتهى..كلّت الأقدام منّي..باحثة عن أرضٍ لك..تُثبّت ..خطوها..
أو سماء..تُوحي باليقين..
لم تجد..
أين رسلي الذين دثرهم..وجودك؟
أين ظلّك الذي تنام عليه الشموس..والنجوم..والسحب..والشفق.
لست هنا على الأرض..
لست هناك..في عرش العُلا..
لست أنت الذي يستهويك مابينهما.
لكأني..أراك..ولا..أراك.
أجدك..ولا..أفعل..
لماذا؟؟
لاتطالك الأماني..,انت..أنت من أوجدها.
لماذا؟؟
مستحيلٌ تطأ الشمس..تنتعلها أنت وأحترق أنا..لماذا؟؟
أخيالٌ منك زارني..على ضفاف الروح..فصرت ضيفتك على العميق منها..أخبرني..كيف..
أم تٌراني..جُبلت على التعوّد..عليك..دون أن ألحظ..طفولتي..التي انبثقت لها ألف يد..تضرب الأرض..
رافضة الرحيل منك..أنا ماحرّضتها..
ماتركتها..لوّحت لها..بحلوى السلوى..وقطع الذكرى..فأشاحت برغبتها..
وأسرعت..
أسرعت..دفنت وجهها في وجودك وأجهشت بالحوجة.

تُغافلني..أشيائي وتجيئك..رغمي..
أغلف الصوت ب(اعتياديته ) مع غيرك..فيجيئك..وشوقه..فاضحٌ..فاضح..
محرجة أنا من تهدّجه..لديك..
من حوجته..لك..
كل ماسبق يرتدّ إليّ مضاعفاً ..
أشيائي هذه..أزجرها..فتلاحقك..
أتركها فلا..تتركني.
أتدري؟؟
أتعمّد..الغياب في زحام الأمور الكبيرة..
في الحكايات المعقّدة..
يطِلُّ وجهك من بين الذين لاأعرف..
هي..هنيهة..ثم يستعيد حامله..رسمه..تغيب أنت..ويحضر الابتسام.
يالهذا العقل..يستفزني بقدرته على معاندتي..
فأجده قد استنفر كل مافي الذاكرة..لك/منك.
ففيمَ العجب..إن أتيتك..دون وعيي؟؟
لاأنت أجبت ولا أنا أستطعت أن تفضحني أسئلتي.
أهكذا أنت؟؟
قادِرٌ أبدا؟؟
واثق أبدا؟؟
تعرف جيّدا أين تقف حين تُزَلْزَلُ الأرض من تحتك..وتختفي الأماكن.
لو لو أنّني فقط أعلم أين أنت منّي..لحصرتك حيث أنت..وبادرتُ بنفيك.
لو أنّك..ملموسٌ..بداخلي..لسهل عليّ ..ابعادك.
لو أنّك..فقط..محدود..ذائب أنت في كل الخلايا..وتغطي كل المسام.
فكيف لي فصلــ نا؟؟
أخبرني كيف استطعت؟؟ علّمني كيف تجعل أحدهم في قمة هرم الأحبّة..ثم تدحرجه..على حين اكتفاء؟؟
كيف تذوب فيه..ثم تنسلُّ من زوايا من تحب..
ألم أخبرك أنّك..قادِرٌ أبدا؟؟
أدري أنّك تجيد فن الصمت..كما..الكلام.
لو أنّ الذي يعتريني..يعتريك..
لانبثقت من روحك الأجنحة واجتازت مقصات الأثير وحطّت على أملٍ دفنه الواقع وبعثه الخيال.
الآن..
الآن أحسّها (أحتاج الغرق فيك)
أتنفسك..فتعبرني مرتين..
أنت من يشدّني ..إلى العميق.
لو أنّك تعلم بغرقي هل كنت ستدع الماء يُغازلُ حوجتي؟؟
يأخذني إليك الابتسام..يلملم كل الشعور بزوايا انكساري..ويدحرجها..على مَرْمَى..مَلْمَسٍ منك..وموجتين.
لي ماسبق..وعليك السلام.

المملكة العليا

تماضر حمزة

(طول يا ليل عليّ بي نار هواك حرِّقني، وزي يابس النبات بالأظفرين ورِّقني)

كلّما ساقت الروح ضيقاً، أطلقها
مثل هذا لا يُترك لتصوّفه،
كان حريّاً بي ألَّا أجعل زهده وحيده الذي “يتمطّق” صحبته،
فأنا أولى بلا شك، وقد كان.
قبل حضوره، كنت أظنّه لن يأتي أبداً، ولكنه فعل
جاء بوجه واحد، واصابع كالانهار الطويلة،
ثلاث معابر لموسى في كل نهر، عدا الابهام بمعبرين،
وأنا فرعونه الذي غرق في المنتصف.
يجلس في بيتنا وبإحدى يديه يحلب غيمة، الأخرى؟ كلّنا يتخاطفها!
الطاولة أمامه كضحكة، وفنجانه يتوسّله الرّشف،
ونقر أصابعه من فرط الالتحام
أخال الصوت نبض العروق التي أرهقها الضخ المتزايد للأدرينالين:
شراب الجبنة بالكف الخطوطها رهيفة
زي نقر الدهب فنجالي وأنا كييفة
وزي نقر الاصابعو..رغم الصلابة رهيفة
مابتعدللي هالكون الملان بالزيفة
ثمّة دخان يعقبني عندما أدخل شهيقه، وبقايا آخر يستقبلني،
عود الثقاب الأخير، يرهقه الانتظار، يأبّى الاشتعال فينتحر.
يغيب مع الشروق طبعاً:
أياود الشمس
أنا قلبي فيك اتهوّر
نمّ مع العشق شقّق وريدو وعوّر
الصاغ وجهك قمر بي سبعتين و اتدوّر
الليل في قفاي وشّك صباحي ال نوّر
فور خروج صوته، تتحوّل نبراته لعصافير تحلّق من حولي،
أستحيل حالاً لغابة، كثيفة الأشجار،
ومورقة؛ فتحط كل نبرة في شجرة،
تحت ظلّها يهمس عاشقان؛ تتكاثر العصافير بسرعة،
ولا أعد أميّز أيُّها تخصّني!
رأسه راية، وقدميه محرث
لذا تَقدَّم الناس، وتبعه المزارعون ثمّ السحاب،
يسقون الأرض الملقحة من اثرِ خطوه.
كقيثارة، أحدّث الناس عنه؛ فيتمايلون.
وكنبيّ أخير، تطالعني عيناه، فأتبعهما إلى الغار.
(عضّيت شفتي السفلى باحدى نيابتي)
وكشمس استثنائية،
تُنضج القمح ولا تؤذ الأطفال الذين يتسوَّلون نهار الخرطوم؛ يُشرِق.
كجريدة، مليئة بالأكاذيب، يدثّر ذات الأطفال ليلاً؛
لهذا نبتسم أحياناً من الألم الشديد، ونحوّل السلبيّة لدفء ايجابيّ حميم.
ككتاب، من الورق العاديّ المعروض على الرصفات،
يمضي يومه، بين كل صفحة وأخرى تصحو حكمة.
أحب حالاته كلّها، عينيه وساعة الغناء، وجهه الواحد ونظارته المحظوظة.
أحب وصله، صيام الحضور، وصاياه، صوته،
صمته وسوء فهمه أحياناً.
أحب تحايلي عليه.
“وسباقنا لظلّنا”
تحدونا أم كلثوم
وتغمزنا فيروز
ويؤرجحنا أبو داؤود.
يزعم الآخرون انّي حقيبة كمان، وأصدّق انّي لحنه المفضّل.
كلّما انصرف عنّي، اتخذت الوضع الجنيني،
وأصبح وجهي لوحة بألوان مائية،
ليست على الحائط ولكنّها تقابله.
أنفض السماء وأجفِّف بها وجهي؛ فتتساقط النجوم وتضيء الوسائد كلّها،
أطفئها وأنام عن غيره وأصحو عليه.
على طرف ضفيرتي أعلّق ضحكته.
وعلى صدري استعرت لاءه فعلّقتها في الوسط؛ فتباعدا أكثر.
كعبة الروح التي احتكرت الحجّاج فيه.
عينيه، كبلاد تنازل حاكمها عن الحكم
وخيّر الشعب، فأرجعوه لكرسيه.
وذخيرته من الحياة، ابتسامة.
كل ليلة خريفيّة، يصطاد السحب ويحطّمها على الرؤوس الجافة.
أنشد:
(أرملة الأسف لابس لها متسرول في وجلٍ شديد سعيت وفيها مهرول)
سقط شئ من قلبي في رحمي، لاشك انّه ابن القلب.

التصنيفات
دراسات نقدية

دراسة نقدية لشعر حميد

دراســــة نقدية لشعر “حميد”

كل أمة تزهو بشعرائها وتزدهي بهم ؛ لأنهم لسانها الناطق وضميرها الحي المعذب ، فالشاعر إنسان مرهف العاطفة ، متقد الإحساس ، واسع المخيلة إحساسه بالأشياء يختلف عن الآخرين فما لا يثير الإنسان العادي يولد لدى الشاعر آلاف المعاني ، لذا فالشاعر هو إنسان خارق للعادة. كما أن الشاعر إنسان مرهوب الجانب تخشاه الملوك وتخطب وده السلطات ويحبه الجمهور ، فما قد يفعله الشاعر ببيانه ولسانه ما لا تقوى عليه السلطات بكل إمكاناتها وقدرتها وكم من ممالك هدمتها ألسن الشعراء وكم من بيوت هدتها أبيات الشعراء ، وكم صدح الشاعر بما عجزت عنه الجماهير وكم تحركت من أجلهم ، والشاعر إنسان معذب على الدوام لأنه يحمل هم الأمة كلها ويحمل وزر كلمته وحده ، فكم شاعر قطعت كلمته عنقه وكم شاعر غنى لوطنه فنفاه هذا الوطن عنه ، وكم شاعر صدح للمجتمع فعاداه المجتمع لأنه واجهه بعيبه”.

أن أكتب عن حميد هذا لا يعني أن اقرع طبول الحرب ضده وأثير السخط عليه ، وأيضا لا أريد أن أنفخ أبواق الدعاية له وأكيل له المدح بما يستحقه وما لا يستحقه ؛ ذلك لأنني لا أحمل له أي تحيز مسبق فأنا لم ألتقِ به قط إلا من خلال أبياته ، ولم أناقشه أبدا إلا بواسطة مفرداته . كما إن أعماله – التي سوف أناقشها في هذه الدراسة – وصلتني بطريقة أبعد ما تكون عن الطريقة الشخصية.
حميد من الشعراء الرافضين لواقع المجتمع الساعين لتغيير هذا الواقع ، وهو من جيل الشعراء القلة الذين ابتعدوا عن الغناء لذاتهم وغنوا لأوطانهم ومبادئهم أمثال أحمد مطر وأمل دنقل ، إلا أنه يختلف عنهم في الكتابة بالعامية دون الفصحى وعدم طباعة أيٍ من أعماله في كتاب يحمل اسمه وسنتناول هذا الأمر بشيء من التفصيل فيما بعد إن شاء الله.

عندما أردت الكتابة عن حميد كنت بين خيارين هل أتناول قصائده واحدة إثر الأخرى كـ( ست الدار ، الضوء وجهجهة التساب ، السرة بت عوض الكريم ، كرويات ، سكة السفر الحزين ، …الخ ) ؟ أم أتناول السمات العامة لكل أعماله ؟ ولأن لكل خيار إغراءاته التي لا تقاوم صعب علي الاختيار وأخيرا أستقر رأيي على تناول السمات العامة لقصائده مع عودة لبعض القصائد بشيء من التفصيل.
وقد نهجت في الكتابة عن حميد منهجاً قد لا يكون هو أفضل الطرق في تناول القصائد حيث تناولت في حميد عدة ملامح كالملامح الدينية ، والملامح الرمزية ، والمرأة في شعر حميد ، والملامح الاشتراكية ، وملامح متفردة في شعر حميد ، وموافقات حميد لشعراء سابقين ، والحكمة في شعر حميد … الخ ولست ازعم بهذا إن هذه هي افضل الطرق للتناول بل أنها قد تكون طريقة تفقد النص بعضا من مميزاته ولكن كان القصد من هذا هو معرفة بعض الجوانب التي سلطنا عليها الضوء آملين أن نوفيها حقها دون أن نفقدها ولو قليلا من معناها العميق فإن أصبنا فالحمد لله وإن جانبنا الصواب فعسى أن يكون خطأنا بمثابة تحذير لمن يتناول حميد بالدراسة لكي لا يقع في ما وقعنا فيه من أخطاء ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

الملامح الدينية في شعر حميد :
إن حميد في شعره يتحدث إلى مجموعة من الأفراد إذن لابد له من أن يستصحب معه أعرافهم وتقاليدهم ولا يجب أن يهمل المعتقد الديني كعامل مهم ومؤثر في حياة الأفراد ، فرؤية حميد للدين إذا تأملناها وجدناها رؤية عميقة من حيث التناول والفهم ، ولم يذكرها لمجرد إقبال الناس عليه أو خوفا من أن ينعت باللادينية وحميد أخذ أجزاء كثيرة في شعره من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة وأقوال صحابة وإذا أردنا أن نتصفح بعض هذه النواحي في شعره نجدها كثيرة فخذ مثلا في قصيدة “الضو وجهجهة التساب” المعروفة باسم (البحر) إذ يقول حميد :
والضو شطب جهة اليمين من حجا إلى أن آمنين
وبيَّن بي دمو البسملة
وبي خط خلاويهو المكعوج والحرف واضح تخين
بي دم وطين
الضو كتب فوق باب أمير المؤمنين
” ما ضر بيت أبي لهبْ
لو ظلَّ بين المؤمنينْ
لـو جاء فينا ما ذهبْ
يا مسلمين بغير دينْ”
ومضى اسمو بين قوسين (غضبْ)
والمية أوووو كاللظي
رمت الدهاليز والأوض بس فضل الباب العظة

إننا إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى لا يخفى علينا التشبيه الشديد لهذه الأبيات وحادثة المقاطعة بين قريش وآل عبد المطلب التي كتبت في الصحيفة وعلقت في داخل الكعبة وكانت كلها ظلما وجور فأكلتها الأرضة كلها ولم تترك إلا كلمة ” بسمك اللهم” ، فإذا نظرت إلى هذه الأبيات مرة أخرى أليست هي نفسها أن يسقط البيت كله إلا الباب الذي سجل فيه الضو ما يريد كأن البيت هو صحيفة قريش بكل دهاليزه وغرفه أما الباب فهو كلمة الحق الوحيدة بما سجله فيه الضو مثل كلمة “بسمك اللهم”.
والأبيات نفسها تحمل رمزية شديدة فالضو لم يشطب الفعل رفضاً للدين ، إنما شطب التظاهر والتفاخر بالمظاهر الدينية فهو عندما شطب (حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً… أدخلوها بسلام آمنين) لم يشطب الدين إذ أنه (بيَّن بي دمو البسملة) لكي تكون بداية ما يريد أن يكتب فهو يجعل الضو ذو خلفية دينية تعرف الدين جيداً (بي خط خلاويهو المكعوج )ويوضح لماذا فعل ذلك بـ(يا مسلمين بغير دين) واستخدام كلمة مؤمنين له دلالة عميقة إذ أن بيت لبي لهب لا يضر إذا ما كان بين المؤمنين الحقيقيين ولكنه بين مسلمين اسماً فقوله تعالى يفرق بين الإيمان والإسلام : ( ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ( 14 ) )
فالفرق بين الإيمان والإسلام هو الفرق بين الدين والتظاهر بالدين .
وهو عندما يتحدث عن المنادين بالدين لغرض أو مدعيي التدين يقول ليفضح ممارستهم التي يتسترون بالدين لفعلها:

فِقرا تغش الله وتخش بيتو وتسرقو ورا العشا

أنظر كم من الملامح الدينية في هذه الكلمات على قلتها “يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون” فالدين الذي لم ينهى هؤلاء عن الغش والسرقة بعد صلاة العشاء ليس ديناً حقيقياً كما يقول وضاح عثمان عبد الجليل :

يا مؤمنين …. لو كان دا دين ..
تبت أيادي المسلمين
تبت أيادي الما بيكفر
ويطرش هتاريش اليمين

إذ أن الدين في نظر هؤلاء هو ممارسة الشعائر فقط دون اعتناقها اعتناقاً فعلياً ، وحميد يرفض أن يكون الدين عباءة يلبسها اللابسون لغرض في نفوسهم ونفوسهم لم تتشبع بأهداف الدين النبيلة فالله ليس حكراً على أحد بل هو سميعٌ لكل من دعاه قريبٌ لمن يلوذ به والدين غنى عن ترف المظاهر فخذ قول حميد في قصيدته كرويات مخاطباً أحد الذين يخادعون باسم الدين:
يا متلبك في الأدران … الحجـر الأسـود مـاهو البروة
وماها الكعبة مكاوي تجيها … حين ينكرفس توب التقوى
ومافي خرط للجنة تودي وما في خطط ممهـورة برشوة
والمشروع الديني الخـالص … ما محتاج لدراسة جدوى
ويات من قال “يا رب” من قلـبو ما رد الخالق دايما “أيوة”
أقوى ولف بشكيرك فوق الراس النشف غيرك لا تستهوى

فهذه هي الطريقة الظاهرية للدين إذ يكون الحجر الأسود عبارة عن صابونة ، والتقوى إنما هي ثوب قابل للاتساخ والكي بعد أن “يتكرفس” ، فالدين ليس ثوبا يتسخ فيخلعه الإنسان في الكعبة المشرفة ليغسله بالحجر الأسود ، أما الكعبة في وجهة نظر هؤلاء إنما هي مكوة تزيل “الكرفسة ” في هذا الثوب ، أما مشروع الدين فهو واجب من الله لا يحتاج لدراسات الجدوى من قبل الحكام ليتبينوا الربح والخسارة فيه ، والله لا يستمع إلى بعض العبيد ويتجاهل البعض الآخر (ويات من قال “يارب” من قلبو ما رد الخالق دايما “أيوة” ؟) لأن الله تعالى يقول :”وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)” والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :” أدعو الله وأنتم موقنون بالإجابة ” وحميد في نظرته للدين لا يعمد إلى النظرة الضيقة أو ينظر إلى الشعائر التي هي عبارة عن مظهر دون جوهر ، بل يعمد إلى الجوهر وينفذ إليه كنفاذ الضوء من الزجاج دون أن يكسره أو يخدشه ، ففي قول حميد في قصيدة الضو وجهجهة التساب انه لا يريد أن يصلي ويقرأ القرآن كالغناء … بل يريد أن يستحضر جلال الموقف ولوازمه من طهارة القلب والجسد ، وطهارة القلب بحسن المقصد وطهارة الجسد حسية بالنظافة التي تعذرت لأن مكان قضاءها قد ذهب مع طوفان البحر ثم يستحضر الحمامة التي بعثها نبي الله نوح لتعرف هل يبست الأرض أم لا فيخاطبها قائلاً:

صلاية قرآن غير غنا
صل ياحمام قدامي أنا
غرقان لي في أنجاس لي هنا
ما شال مراحيضنا البحر
طفَّح زفارات كم سنة
بي إيش أتوضأ وأغتسل ؟
بي إيش يا ربنا ؟؟

ففي مرارة التساؤل تلمح الحوجة ولكن إذا علمت أن الضو في هذا التساؤل كان وهو في لجنة الفيضان لعلمت أن السؤال ليس لحوجة المياه فالمياه موجودة ولكنها ليست صالحة كما أن إدعاء الدين وشعائره موجودة ولكن هل هي صالحة ونقية أم أنها كالمياه التي غرق فيها حتى رأسه ولم يجد رغم ذلك الماء الذي يجعله طاهراً للوضوء؟

أما في قصيدة الحرية فتلمح قول الرسول صلى الله عليه وسلم :” كلكم لآدم وأدم من تراب ” في قول حميد الذي قدم السلام الذي هو المرادف للإسلام ، كما ذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم :” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”  فطريقه بياض النية كما قال ، والأروع أن الخطاب في القصيدة ليس موجها لفرد معين أو جماعة معينة بل لكل ابن آدم:

إنساني شعوب تتسالم …… نتسـالم بي حنية
على نخب الود نتنادم …… لا جنس ولا لونية
لا عرق لا آهـنتقادم ……. سكتنا بياض النية
مش كلنـا مـن آدم ؟ …مش آدم أبو البشرية؟
السجـن إذن يترايم ……..نبنيه قـلاع ثورية
مد كفك يا بني آدم ………حرية سـلام حرية

بالرغم من روعة التناول في هذه الأبيات ورغم أن حميد اتجه فيها إلى لزوم ما لا يلزم حيث قيَّد نفسه بقافيتين إحداهما في صدر البيت والثانية في عجزه إلا أن السمة الواضحة هي ربطه في الصياغة الأبيات للسبب الديني ومن ثم يعقبه الهدف الذي من أجله صاغ القصيدة :
مش كلنا من آدم ؟ ….. مش آدم أبو البشرية
السجن إذن يترايم ……. نبنيه قـلاع ثورية
مد كفك يا بني آدم ……..حرية سـلام حرية

وتظهر كذلك اللمحة الدينية واضحة في شعر حميد في قصيدة من القصائد التي لم تلق شهرة واسعة كالسرة وست الدار والجابرية رغم أنها ممتلئة بالكثير من المعاني الجميلة وهي قصيدة “البحث عن ذاكرة لوطن مفقود” وفيها يقتبس حميد من الآيات القرآنية التي نزلت في استشهاد الصحابي الجليل مصعب بن عمير خير فتيان مكة في الجاهلية والإسلام وتحض على الثبات على المبدأ حيث يباشر حميد صياغة معنى بهذه الآية حيث يصوغ عليه كلمات تطابق المعني حينما يقول :
فينا من روَّح فدايتك ..
وفينا من لا زال …
وفينا
ما في من بدل لرايتك

أليست هي نفس الآية :” مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا {الأحزاب:23}  “.
كما إنني ألمح في قول حميد في قصيدة “مصابيح السماء الثامن” حينما أراد حميد حث الجمهور إلا أن يتمثل قصة السيدة أسماء بنت أبي بكر عندما جاءها ابنها عبد الله بن الزبير حينما حاصره الحجاج في مكة فذهب إلى أمه يستشيرها فقالت له :” بئس العبد أنت إن كنت تدافع عن الباطل فقد أهلكت نفسك وأصحابك ، وإن كنت تدافع عن الحق فامضي لما مضى له اخوتك ” فقال:” يا أماهـ إنما أخشى التمثيل بجثتي” فقالت قولتها المشهورة :” إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها “. فتمثل حميد قولها في قصيدته حيث يقول :

“ما ضر من بعد الغرق
جوف الضحية إذا إنشرق ؟”

ثم يحض نفسه على مواصلة ما بدأه قائلاً:
يا سيفي هوبي على الكتل
وحميد يقسم الناس إلى فئتين لا غير … فئة تأخذ الدين وسيلة للوصول إلى رغباتها وغاياتها دون أي إيمان حقيقي بهذا الذي تنادي به ، بل هو درع تستتر به من الناس وهذه الفئة محسوبة على الدين تضره ضرراً بالغاً أكثر من الذين يجاهرون بعدائهم للدين ، والفئة الثانية فئة مخدوعة بوهم الاعتماد على الغير في رفعة حالهم وليس للدن مكانة عندهم فهو يقول على لسان ست الدار:
واتذكرت كلامك لي
اتذكرت كلامك لي …
إنو في ناس لاعبين بالدين …
وناس لا عبابا الأمريكان

وهو بهذا لا يبتدع بدعة جديدة في النظرة العامة التي كانت سائدة عن الدين والرأسمالية ، رغم أنه هنا يقف بصورة غير واضحة مع الدين فهو ينزه الدين ويجعل الخطأ في الذين يطبقونه فيقول (ناس لاعبين بالدين) وليس الدين هو الذي يلعب بالناس ، بينما ذكر أن الرأسمالية هي التي تلعب بالناس.
وفي قصيدة السرة بت عوض الكريم يقول :
من بعد ما انبلج الفرج من ضيقا …
خدعوها بي حيلة كتاب
رفعوهو فوق سن الحراب

وهي إشارة واضحة لما حدث في الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وخدعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في رفع المصحف على أسنة الرماح عندما كاد جيش علي أن ينتصر وما أعقبها من انقسام بين صفوف ابن أبي طالب ووجود الخوارج الذين خرجوا عليه لا تخفى على أحد ، وحيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح هي الحق الذي أريد به باطلا لذا نجد أن حميد يرمز إلى خديعة الشعب بنفس طريقة الحق الذي أريد به باطلا.

والجانب المسيحي في الدين نجد أن حميد لا يتجاهله بحكم انتماءه للدين الإسلامي إذ يقول حميد:
اشتكيتك لي القمر
لما أنسام السحر
الرياحين والزهر
شهدوا لي عليك يا إخية
جاء القمر سواك برية
وباعتزاز في إبرة حية
صاح في جمعنا يا برية
من يكن من غير خطية

فهو يأخذ قول السيد المسيح عليه السلام حينما قال :” من كان منكم بغير خطيئة فيرمها بحجر” ، فهو في هذه القصيدة يشكوها بشكوى واضحة بشهودها وحكمها ، فالحكم هو القمر والشهود أنسام السحر والرياحين والزهر ورغم الشهود فإن القمر يبرئها من التهمة المنسوبة إليها آخذاً قول السيد المسيح :” من كان منكم بلا خطيئة فيرمها بحجر” فيتجرأ هو ويرمها ولكن … بالتحية
وحميد يورد ذكر الكثير من الأنبياء في قصائده ، وتجد إشارات جمة لقصص الأنبياء بما يتوافق وحال القصيدة التي ذكرها حميد وهو بهذا يلقي في أذن المتلقي ألوانا شتي من الخلفية الدينية ففي قصيدة البحث عن ذاكرة لوطن مفقود يقول:
(يوسف) الفي الجب يمرق
ضاربا ريقة اليلقي قوت
روقي أكنك ..
واللا كنك ..
تاوقي في البحر الخرافي ..
(يونسك) في ياتو حوت
سمَّ ينده جوفو حافي ..
وهطينا علي الأثافي ….
وهبي نارك لا تموت
يا حمامة غار (محمد ..)
يا خيوط العنكبوت

ففي أبيات قليلة كهذه نجده يذكر سيدنا يوسف عليه السلام وقصة إلقاءه في البئر ، ويذكر سيدنا يونس عليه السلام وهو في جوف الحوت ، وكذلك يعرج على قصة الهجرة لرسولنا الكريم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار مع الحمامة والعنكبوت ، والقاسم المشترك لكل هذه القصص التي حدثت للأنبياء نجد الانقطاع التام عن العالم فالبئر والحوت والغار هم من أكثر المناطق خفاءً وعزلة في الأرض ، وإذا ما ذكر أحد هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ففور السماع تتبادر إلى الذهن القصة بكامل حذافيرها.
ثم وفي نفس القصيدة يأتي حميد لذكر قصص بعضا من الصحابة الإجلاء ومنهم من ذكره بالاسم أبو ذر أو بالقصة كمصعب بن عمير أو قصة سارية وعمر بن الخطاب فيقول:

فينا من روَّح فدايتك ..
وفينا من لا زال …
وفينا
ما في من بدل لرايتك
وانتي في ذات السكوت !!!
التراب يتشهي حنك ..
السحاب عابر يفوت
واللا يكمد للعيون
بالغبار غمة وسوافي
وأنتي يا آخر المرافئ
يا أم وجوداً صار خرافي
في صحاريك داخ غفاريك ..
من برد زمنو الرعافي
دون كواريك ..
مات واتاريك
غبتي بي كل المرافئ
يا لساريك .. لاك موافي
لا كمان قادرين نسيبك
نمشي في الزمن المجافي
ما عهدناك عاد تخافي

أما ما لا يريده حميد فهو جعل الدين وسيلة من الوسائل لكسب الدنيا وإلا هجر الدين سوى كان الدين الإسلامي أو المسيحي أو غيره ، فحميد في نظرته للأديان لا يفرق بينها بل يعلم أنها جميعها أديان الله وهو في نظرته للممارسات غير الصحيحة باسم الدين نجد غضبه للإسلام نفس غضبه للمسيحية وفي نقده للدينين بمنظور واحد فحين يقول :
إلا يا .. آخ … ما لقينا
الجوامع مستباحة ..
والمصلين صر جنب
الكنائس جالبا دينا !!
والمدينة تبيع عوينا !!!
لي النخاسية الغرب
لي اللحاسية وعقب
تشتري آفات الرعب
فحتى في نقد حميد للممارسات باسم الدين نجده لا ينسى تنزيه الدين من النقائص ، فالجوامع وقع عليها فعل الاستباحة من المصلين الذين لم يراعوا حقوق الدين فهم كلهم عليهم الجنابة (صر جنب) ، أما الكنائس فهي تعرض دينها للبيع وربما تكون هذه إشارة لممارسة قديمة هي بيع صكوك الغفران ، كما في استفظاعه لهذه الممارسات يقرن بها بيع الأبناء لتشتري بها أشياء هي من باب الآفات المرعبة.

وحميد أيضاً يقول في قصيدة السرة بت عوض الكريم في نفس الغرض منزها الدين جاعلا هذا الظلم من الذين يتحدثون باسمه فيقول:
ظلم الحُكم ياهو الظلم كان من جوامع كان كنيس
يبرا السما …يبرا محمد سيدي يبرا المسيح

فحميد يقرن البراءة من هذا الظلم لله ولرسله فقوله يبرأ السماء يقصد بها تنزيه الله تعالى من الظلم ، وحينما يقول يبرأ محمد سيدي يبرأ المسيح فهو في حقيقة الأمر ينزه الرسل والأديان من الظلم حتى وإن جاء من مكان ممارسة هذه الأديان وعلى يد من يتبعونه وباسم هؤلاء الرسل عليهم السلام ، وليس ذلك فقط فخذ قوله عندما افترض أن الدين فقد جوهره عند الناس وصار التعامل بالقشور ففي هذه الحالة يكون الحال:
تختا الدراويش الضريح ..
يسكن خلاوينا الجنون
يهجر جوامعنا الإله
يا نورا آه ..
تطرح غيوم الشوق تئن ..
تشرق
تموت
خيل .. كلمة الحق التناهد في الشفاه
يعقر بسيمة الصح
مع لوبي الجروف
تغرز ضريعات الحروف
ينشف مراح الأمسيات ..
تتمطق الأرضة المروق والأغنيات
اللّي الشروق ..
والأرض
والحب والمطر
تتضهب تتوه ..

فأي ضياع اكثر من ذلك إذا فقد الدين القدرة على غسل دواخل الناس؟
ونجد أن حميد ينزه الدين من أغراض كثيرة وأخطاء ارتكبت باسمه فهو يرى أن الدين برئ من هذه الوجهة بل ويدافع عن الذين لديهم الجرأة لمواجهة الأخطاء فهم في الغالب أناس شرفاء ولكن دفعهم للخطأ ومجابهته جعلت الناس أو أصحاب الأغراض تثير ضدهم الزوابع وتتهمهم في أنفسهم لينشغلوا بالدفاع عنها دون الدفاع عن الحق فحميد عندما جعل الضو يبكي في قصيدة البحر لم يكن البكاء الذي يصدر عن الرجل بكل عنفوانه هو بكاء الألم أو بكاء الحاجة بل هو بكاء القهر إذ يقول حميد :
الضو بكى
بكى ما بكى
بكاهو حس الطائرات
بكاهو قدرتو تنتهي
بكاهو يرجى المعجزات
بكاهو يقنع بالرحيل
بكاهو ما كان الشدر … ما الطير وما كان النخيل
بكاهو كيف سد شبر… من موية يصبح مستحيل
بكاهو يلغط في البحر … والغيرو يشرب سلسبيل
بكاهو البينضم في الغلط … يا قالو ملحد يا عميل

فالضو رجل لا تهمه الثروات المادية فالشجر الذي يموت في الفيضان والسعية التي غرقت والنخل الذي هاجر عنه كلها أشياء لا تجعل الضو يبكي بل يبكيه ضياع بلاده والفرقة التي تحدث بين الشعب والحكام فعامة الشعب تعاني الأمرين (يلغط في البحر) والحكام في ترفهم ولذاتهم (والغيرو يشرب سلسبيل) وأيضا يبكيه أن الذي يتحدث عن الغلط تكال له التهم الجاهزة فهو إما أن يجرد من الدين أو يجرد من الوطنية فهو إما ملحد أو عميل ، وإذا تساءلنا عن علاقة حديثه هنا بالدين وكيف نفى عن هذه التهمة نجده يقول في الأبيات التي بعدها مباشرة على لسان الضو :
بكاهو آه …. ما هو الإله
يا دكة السلطة ودخانا وشملتا

فالإله ليس هو الذي أراد هذا فهذه ليست شريعته بل الذي أبكاه هو السلطة وما يتبعها من لذات حسية فالدكة كلمة لها معنيان ، الأول بمعنى المصطبة التي يجلس عليها الناس للسمر ، والثاني هي ما تستخدمه النساء في الزينة والتجمل للرجال والدخان إما أن يكون المقصود به دخان الطلح الذي تستخدمه النساء في الزينة أو يكون المقصود به دخان المشعوذين ودخان التبغ ، أما الشملة فمعناها ما تلتف به النساء للتعرض للدخان وهي تستر الجسد من أعلاه إلى أدناه فإما أن تكون هي المقصودة أو يكون المقصود بها ما يستر السلطة من مال وجاه وجبروت .

وبعد أن يصف حميد كل هذا يعود فيقول :
يا مسمي محنتنا امتحان …
مرات قدر … حيناً غضب
ناكر جبيهتنا وصلاةً صلتا
يوم يمحق الصاح الختا
وين تمشي من غضب الغلابة
اللابكتلك نازلتها ولا شكتلك علتا ؟
لملم خرافاتك عليك
ما حرقت نظريتي ليك
بس روحنا حقرتك سلتا
وبنجيبها ضربتنا وتصيب في حزتا
وفي حزتك يا بيتنا كب
ويا بيت أمير المؤمنين إت إتنكب … إت إتنكب

وأجمل ما في هذه الأبيات أن تترك بلا تعليق سوى ما يفهمه القاري بفطنته

الملامح الرمزية في شعر حميد

شعر حميد مليء بالإيحاءات الرمزية ، منها ما هو الواضح البيَّن حتى يكاد يفقد معنى الرمز ومنها ما يحتاج إلى إعمال الفكر قليلا ومنها ما هو يكاد يكون طلسماً.
من يقرأ حميد بتأني يستطيع أن يرى عدة رموز تستوقفه ، فمثلا لابد أن يلاحظ تكرار الرقم ستة في العديد من القصائد والمناسبات فمثلا في قصيدة ست الدار يقول:

ستة خرفن وتيس ما كفن

وفي نفس القصيدة يقول :

هي يا الزين زغرد …
بت أم زين جابتلها بت
ستة أولاد حتان البت

أما في قصيدة الجابرية فيقول :
إلا في ستة من الجابرية قالوا ..
تعبكم خارم بارم
يذهب حاكم خلف الحاكم
والجابرية بلد في حالها

أو :
ستة سنين قابض فوق جمرو

أو :
إلا الستة الصارو جماعة

فماذا يقصد حميد بالرقم ستة ؟

كنا في جلسة مناقشة نحن مجموعة من الأصدقاء ودار جدل حول هذه النقطة فقال بعضهم إنها ليست إلا رقم عادي جاءت به أوزان القصيدة وزعم البعض أنه يقصد أيام الأسبوع ويقصد بالتيس الجمعة ولكن هذا الرأي ليس صحيحاً لأن حميد يقول :

ستة خرفن في فد يوم إنصفن

فالرمز الذي يقصده حميد بالرقم ستة هو الأحزاب ( الاتحادي الديمقراطي – الأمة – البعث – الشيوعي – الناصري – الوحدة الجنوبي) أما التيس فيقصد به الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية القومية آنذاك ، بالإضافة إلى أن اللحية التي هي أحد صفات الإسلاميين ، وحميد يجعلها وجه الشبه بين الإسلاميين والتيس ، وكان الرئيس جعفر نميري قد انقلب على جميع الأحزاب لذا أشار حميد إلى أن :
ستة خرفن وتيس ما كفن

ثم عاد نميري فاستعان بالإسلاميين وصفى وحَجَر على بقية الأحزاب وطاردها ومنع نشاطها لذا قال حميد :
ستة خرفن في فد يوم إنصفن

ولم يأتي لذكر التيس ، ثم نجد نفس الرمز يتكرر في نفس القصيدة عندما تقول ست الدار مخاطبة زوجها الزين :

هيي يا الزين زغرد
بت أم زين جابتلها بت
ستة أولاد حتان البت

نجد أن ميلاد الأحزاب السودانية الستة أقدم من ميلاد الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية القومية أو جبهة الميثاق ، وهنا حميد يسخر سخرية مبطنة داخل الكلام حيث أنه من المعروف في البيئة السودانية عدم الاهتمام بميلاد الفتاة حيث يرغب الناس في ميلاد الأولاد ، وعند الفرح تزغرد النساء وليس الرجال لذا ينعكس الحال في واقع القصيدة إذ لابد أن يزغرد الزين لأن بت أم زين ” وهي السودان ” جابتلها “بت” فحميد في عداءه للحركة الإسلامية يجعلها تيسا وسط الخراف ، أو فتاة وسط الأولاد واختياره لوصفها بالفتاة إذ أن وجهة نظره أن التراخي من سمات الحركة حيث يقول في الجابرية واصفا إمام الحلة في الصلاة :

صوتو مرخرخ لامن يقرا
يقرا ويقطع … زي البِطرا
عند الركعة ركوعو متختخ
عند السجدة سجودو ممخمخ
شيخ الحلة بقول في أمرو
زول غرقان في الدين من عمرو
ستة سنين قابض فوق جمرو
وما فكاه طريق الله

فتراخيه حتى في قرأته في الصلاة فالصوت مرخرخ وهذا ليس ناتجاً عن ضعف الحبال الصوتية أو ليس التراخي في الصوت فقط ، بل إنه عند الركوع ركوعه متختخ وكذلك عند السجود اشد حالات التراخي حيث أنه ممخمخ وحميد لا يقرن هذا التراخي بالرجل لذاته بل لكل الذين انضموا له فليونة هذا الرجل يعقبها تساؤل يدور في أذهان العامة لذا يجيب عليه شيخ الحلة – وهنا إشارة خفية في كلمة شيخ الحلة – بأن هذا الرجل غرقان في الدين منذ أن كان عمره ستة سنوات وهذا أيضاً رمز .
وحميد لا يقر هذا ، فالدين ليس تراخي ولا ينتج عنه تراخي فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وحميد يبين حجته في الأبيات التي تلي هذه المذكورة.

وفي قصيدة الجابرية يقول حميد :

إلا في ستة من الجابرية …
قالوا تعبكم خارم بارم
يذهب حاكم خلف الحاكم
والجابرية تظل في حالها
حلة حياتها تسر الظالم
لا جلكوز لا تقرا رسالة
ولا راح يطلع منها عالم

يشير حميد هنا إلى أن من وقف في وجه الخداع والظلم في الجابرية التي هي السودان المصغر هم فقط ستة أفراد وأخفى حميد السابع في بناء القصيدة إلا انه ذكره بشكل عرضي “تسر الظالم ” وعندما تولى شيخ البلة دائرة الجابرية في الديمقراطية نجد أن الستة كانوا هم موضع المعارضة الفعالة التي لا تبالي برضاء شيخ البلة الذي مثل الحزب الحاكم فقال :

إلا الستة الصاروا جماعة
قالوا دا زول تربايته مياعة
ما بشبهنا رفعة وضاعة
وقصة دينو ودقنو بضاعة
ونحن آمالنا تباعة
وإما مباعة
وفي الحالتين آمالنا مضاعة

ثم يستمر حميد في تحديد سمات هؤلاء الستة الذين لا يمثلون ذواتهم فقط إنما يمثلون القوة الفاعلة في المجتمع لذا كان لابد أن يُبعدوا من المجتمع حتى لا يكونوا نواة التفجير فيه فيقول حميد ممثلاً اعتقال الستة :
ومن يوم داك ما شفنا الستة

كما أن حميد عندما يريد أن يصف شيخ البلة على لسان شيخ الحلة الذي يعتبر من حزبه – لاحظ السخرية في توارد كلمة شيخ – فيقول :

شيخ الحلة بقول في أمره …
زول غرقان في الدين من عمره…
ستة سنين قابض فوق جمره
ومافكاه طريق الله

ولكن الستة يرفضون هذا التبرير غير المقنع لنعومة هذا الشيخ …وهكذا.
كما أن حميد يستخدم لفظ الاثنين كرمز للدلالة على حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي فيقول في قصيدة تلغرافات على لسان ست الدار :

التومات طيبات ونصاح
إلا غُباش باللحيل آ الزين

أو :
التومات أول البارح جني يرطنن
قالن أنحنا الخواجات

وفي قصيدة الضوء وجهجهة التساب المعروفة باسم البحر لا يأتي ذكر التومات صراحة بل ضمنياً في كلمة (فرخينو) أي فرخيه وفرخا القمري رقم مزدوج ككلمة التومات التي ذكرها حميد بقوله:
عش قمري بي فرخينو …
كان من حظ ورل

أو :
عصرت على طرف الطريق
عقدت سفنجتها بي دلق
كان كل فردة جارها من بلد
وينشافن الاتنين خضر
والليل ستر… الليل ستر

فهو يقصد بالتومات حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي كما ذكرنا وإشارته إلى (غباش باللحيل) كناية على عدم أي تجديد في خطط الحزبين منذ أمد بعيد وسيطرة وجوه محددة على مقاليد وآراء الحزبين وهو عندما يقول :

التومات أول البارح جني يرطنن
قالن أنحنا الخواجات

فهو يشير إلى تقليد بعض زعامات الحزبين إلى الأجانب أو ميلهم إلى الدعم الخارجي والمعارضات الخارجية ثم عندما يقول :

العضمين الروكة أنزرعن

يشير إشارة واضحة إلى التجديد في الحزبين بانضمام جيل من الشباب الذين نظروا إلى موروث الحزب من زاوية أن الأفراد يمضوا ويبقى الحزب ، أو بصيغة أخرى أن الولاء ليس لفرد بعينه أو مصلحة بعينها إنما الولاء للحزب والمصلحة مصلحة الحزب ، لهذا فهذه هي الزراعة التي لحقت بالحزبين أو العضمين الروكة .

ثم نجد إشارة عددية أخرى تتكرر في قصيدة ست الدار مرتين حيث يقول على لسان ست الدار بت أحمد :
كانوا حداشر وخواجية
ثم يقول في نفس القصيدة على لسان الزين ود حامد:

شرقت شمس اليوم التاني
كنا حداشر ونوباوية
متهمننا بالتخريب والتحريض والشيوعية

وتناقشنا في معنى هذا الرمز العددي فقال جزء من الأصدقاء إنه يقصد انشقاق الأحزاب على بعضها البعض كما يقول أحمد مطر :

أكثر الأشياء في بلدتنا
الفقر والأحزاب وحالات الطلاق
عندنا عشرة أحزاب
ونصف الحزب في كل زقاق
كلها يسعى إلى نبذ الشقاق
كلها ينشق في الساعة شقين
وعلى الشقين شقان من أجل تحقيق الوفاق

ولكن هذا التفسير ينقصه معنى الإشارة إلى التأنيث في (خواجية ونوباوية) فهي لا تستقيم مع هذا التفسير لذا فقد قال أحدهم إنه يقصد قوله تعالى :”إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ” فست الدار تقصد بالحداشر أخوة يوسف والتأنيث لها أما الزين فهو يعقوب عليه السلام إلا أن المعنى أيضاً لا يستقيم فست الدار لا تحلم وليس هناك نبوءة تتحقق وما وصلنا له أن حميد يقصد عدد شهور السنة الاثني عشر ويؤنث الشهر الذي حدث فيه الانقلاب ، فجعفر نميري عندما قام بالانقلاب استعان بالرموز الوطنية في الحزب الشيوعي لذا كان شهر الانقلاب نوباوية أما عندما انقلب على الشيوعيين صار خواجية إشارة إلى استعانته بأجانب .

إذا تركنا الترميز العددي جانباً نجد أن حميد يملأ شعره بترميز آخر يكاد يخلب اللب فهو يقول في نورا :
مرة شافت في رؤاها
طيرة تآكل في جناها
حيطة تتمطى وتفلع
في قفا الزول البناها

حلم نورا في هذه القصيدة هو واقع حال الشيوعيين مع ثورة مايو فالشيوعيون هم من أتى بمايو ووضعوا نميري في سدة الحكم على أن يحكموا هم بتوجيه النميري لكل الخطوات التي يرغبون فيها إلا أن النميري انقلب على الشيوعيين قتلا ومطاردة وتشريداً فكان كأنه “حيطة تتمطى وتفلع في قفا الزول البناها”

كذلك اتجه حميد إلى الترميز برمز واضح في اسم راشد إذ يقول في ست الدار :
شهر اتنين المدرسة تأجز
شهر اتنين حا نطهر رشد
وراشد حالف ما يطهر
إلا أبوه وعمتو تحضر
وإلا يجيبوا الغنايين
شان الشول بت سرنا ترقص
قلنا نجيب المداحين
طنطن راشد “ياخ أنا جايي من الحج”
وعارف راشد لما يطنطن….
كل الدنيا الفوقي تطنطن
غايتو بشر بس ربي يهون
ربي يهون

راشد هو الاسم الكودي لعبد الخالق محجوب والمقصود به هنا الحزب الشيوعي ككل ، فالتطهير داخل الحزب كان من سمات الحزب الشيوعي الأولى والميل للدنيا بشكل عام “الغنايين” وليس إلى الآخرة “المداحين” كما أن الحزب الشيوعي كان من اكثر الأحزاب نشاطاً في إشعال الثورات والإضرابات العمالية أو المظاهرات الطلابية لذلك ” وعارف راشد لما يطنطن … كل الدنيا الفوقي تطنطن… غايتو بشر بس ربي يهون ” فراشد ليس فرداً عادياً لكي ما يكون غضبه غضباً عادياً .
ويتجه حميد اتجاهاً أخراً في الرمزية في قصيدة الضو وجهجهة التساب حين يرمز لكل الأحزاب السياسية بالكلاب ثم يختار لكل حزب صفة يلحقه بها فهو يقول :

يا الدنيا كيف متقلبنة
تصحا العصافير الوديعة
مع الصباح متخلقنة
شر الكلاب متمسكنة
وين جرتا وهوهيوا وين
الليلة غاب
كلب الجناين زيو زي كل الكلاب
كلب الغلابة المستغلين العبيد
الليلة ريس سيد مهاب
كلب أب زهانة تهينو هانة
ومن المهانة تقولو (تك)

فماذا يريد حميد أن يقول ؟ وعلاما يرمز بكل هذه الكلاب ؟ وما المقصد من هذه الرمزية ؟
أولاً وقبل كل شيء حميد لا يقصد الإهانة بكلمة (كلب) بل يقصد التبعية غير المشروطة كتبعية الكلب لصاحبه هو يقصد بالعصافير الوديع طلاب المدارس والجامعات الذين كانوا يخرجون في الصباح الباكر إلى المدارس ولكنهم أخذوا يخرجون إلى المظاهرات التي كانت الشرارة للانتفاضة فهذه العصافير الوديعة تستيقظ منذ الصباح في أشد حالات الغضب (متخلقنة) ثم يعرج حميد ليستعرض باقي تشكيل الشارع السياسي أو الشارع السوداني فهو يرمز بكلمة شر الكلاب ويقصد بهم الشرطة أو رجال الأمن ففي حالة مسكنة لا يستطيعون شيئاً مما يجعل حميد يتساءل ساخراً ( وين جرتا وهوهيوا ؟ وين؟) فهذه العنترة قد غابت عنها وصارت لا حول لها ولا قوة بل أنها صارت تخشى على نفسها ثم يتساءل عن كلب الجناين الذي صار مثله كمثل بقية الكلاب لا تمييز له عن غيره ، وحميد يقصد بكلب الجناين اتباع حزبي الأمة و الاتحادي الديمقراطي الذين هم أحزاب لها جنائنها المعروفة في العاصمة المثلثة وبيوت عريقة ، وهم يعتبرون أنفسهم مميزون إلا أن هذه الأحزاب في انتفاضة السادس من أبريل صارت مثلها مثل البقية لا امتيازات لها ، أما عن كلب الغلابة المستغَلين العبيد وهو يقصد به أتباع الحزب الشيوعي السوداني ففي رؤية حميد أن الحزب الشيوعي هو ناصر الفقراء والمستضعفين في الأرض (يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة … اتحدوا) فهذا الكلب اليوم ريس سيد مهاب تخشاه جميع الكلاب أي أن الحزب الشيوعي في تلك الأيام تخشاه جميع الأحزاب وهذا رأي لا يخلو من وجاهة وقد يقصد حميد بكلب الغلابة الجماهير عموماً ولكن هذا رأي ضعيف.
ثم يسخر حميد تلك السخرية المبطنة بالرمز في كلمة كلب ود أبزهانة ويقصد بهم أفراد جهاز الأمن وأتباع الرئيس جعفر نميري فهذه الكلاب صارت لا حول لها ولا قوة إلى درجة الإهانة البالغة التي تستطيع فيها أن تقول لهذا الكلب (تك) التي تقال للماعز(كلب ود أبزهانة تهينو هانة… ومن المهانة تقولو تك) ، وهذه السخرية التي تثير في داخلك آلاف الخيالات كذلك الضحك من حال هذا الكلب إنما هذا هو حال انقلابات الفرح فالدنيا لا تبق على حالٍ واحدة فهي تدور على كل أهلها .
ومما يدل على أن حميد قصد نميري بكلب ود أب زهانة قوله في قصيدة ست الدار على لسان ست الدار :
زولك دا يحير ….
وكت الجد كان أدى ينقنق
وكت الفارغة يشيل ويبعزق

فهذه هي الرعونة الحقة -وهنا كلمة (كان) بمعنى (إذا)- وهذه إشارة لسياسة الصرف غير الرشيدة في عهد الرئيس النميري